عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 06 آب 2023

نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل.. من سجناء إلى قصص نجاح خلف الأسوار

استغلال عقوبة السجن بالإنتاج

عبير البرغوثي

بالألوان الزاهية والمطرزات المزركشة وخيوط الصوف المنسوجة بدقة؛  لوحات تحف ومجسمات بأشكال وألوان تجذب الزوار في المعرض الذي نظمته المديرية العامة للشرطة الفلسطينية بالتعاون مع مركز علاج وتأهيل ضحايا التعذيب في مسرح بلدية رام الله، معرض ضم منتجات من أعمال يدوية نفذها نزلاء ونزيلات مراكز الإصلاح والتأهيل.

كنا من بين المدعوين لهذا المعرض الذي تجولنا فيه وأبهرنا ما رأيناه من منتجات متميزة بالألوان الزاهية والخزفيات والفخاريات والخرزيات والنحاسيات، والتحف الأثرية التي صنعها النزلاء والنزيلات بمواد بسيطة لكن حملت في طياتها الكثير من الرسائل والدلالات، حملت رسائل محبة وسلام إلى العالم الخارجي، فرغم العزلة التي قد تكون مرهقة جدا ورغم التفكير بالحياة وحيدا وبعيدا في عزلة السجن، إلا أنهم استطاعوا أن يتخطوا جدران  السجن بأعمالهم اليدوية المحترفة ويعرضوها أمام العالم مستفيدين من ريعها كدخل لهم ومساعدة ولو كانت بسيطة لذويهم.

تنظيم المعرض للنزلاء والنزيلات يأتي ضمن سياسة الشرطة الفلسطينية في تعاملها مع نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل، بهدف تأمين عودة النزيل لعائلته ومجتمعه ليكون عنصرًا فاعلاً قادرًا على الإنتاجية، ودمجه بالحياة العامة بعيدا عن الجريمة، حسب مدير مراكز الإصلاح والتأهيل في فلسطين، العميد دكتور حقوقي صالح البرغوثي، الذي أكد أن هناك نزيلات نسجن قصص نجاح في الأعمال اليدوية سواء داخل المركز أو خارجه، حيث تمكنت بعض النزيلات اللواتي تم الإفراج عنهن من بناء مشاريعهن الصغيرة المختصة بصناعة منتجات يدوية متنوعة مستفيدات من عملهن واكتسابهن الخبرة داخل المركز والاستفادة من البرامج التدريبية التي تلقينها على أيدي مختصين في مجال الحرف اليدوية وخاصة في مجال تصميم لوحات الفسيفساء وإتقانها بشكل محترف.

ومن هنا أردنا أن نكون أكثر قربًا من حياة النزلاء والنزيلات في مراكز الإصلاح بشكل خاص لنتعرف على ما اكتسبوه من خلال تواجدهم داخل مركز الإصلاح وما الذي قدمته لهم إدارة المركز وخططها المستقبلية في مجال الإصلاح والتأهيل، وعليه كان لـ "الحياة الجديدة" هذه الجولة داخل أروقة مركز الإصلاح والتأهيل في أريحا، وإجراء لقاءات بدأناها مع مدير عام المراكز العميد دكتور حقوقي صالح البرغوثي.

 

 برامج هدفها عودة الاندماج في المجتمع وتقليل نسبة العودة للجريمة

يبلغ عدد النزلاء في مراكز الإصلاح والتأهيل اليوم 2000 نزيل من بينهم ما يقارب من 40 إلى 50 نزيلة، يتوزعون على 8 مراكز في أكبر محافظات الوطن وهي مراكز توفر الإمكانيات اللازمة لإخضاع النزلاء لبرامج تأهيلية.

خلال جولة فريق "الحياة الجديدة" داخل أروقة ومرافق مركز الإصلاح والتأهيل في أريحا يرافقنا، العميد دكتور حقوقي صالح البرغوثي، "في إطار خطتنا الاستراتيجية لمراكز الاصلاح والتأهيل والمعدة منذ أكثر من 3 سنوات كانت رؤيتنا خلق بيئة تأهيلية آمنة وإيصال رسالتنا وخدماتنا لمجتمعنا، ومن هنا ركزنا على البرامج التأهيلية التي تساعد النزلاء والنزيلات في مرحلة بعد الإفراج على العودة إلى المجتمع والاندماج فيه مرة أخرى من خلال إكسابهم مهارات تساعدهم وتمكنهم من كسب عيشهم وحتى نقلل من نسبة العودة إلى الجريمة، وهذا من الأهداف الرئيسية لقانون مراكز الإصلاح والتأهيل الذي أقر حقوق تأهيل النزلاء، يقول البرغوثي.

ويضيف "وعليه تم إخضاع النزلاء لمجموعة من البرامج بالتعاون مع شركائنا من مختلف الجهات، وفيما يخص النزلاء الذكور تم إخضاعهم لبرامج إكسابهم مهارة التمديدات الكهربائية بالتعاون مع شركة كهرباء القدس وتزويدهم بختم الشركة لتمكينهم من العودة إلى سوق العمل بحيث يكونون فاعلين في المجتمع وليسوا عالة عليه، إضافة إلى مشروع البستنة الذي تم تأسيسه في مركز إصلاح أريحا نظرًا لخصوصيتها المناخية، ومن خلال هذا المشروع يتم إنتاج منتجات استهلاكية مثل الأجبان والمخللات وغيرها، ويأتي إنشاء هذه المشاريع في إطار إكساب النزلاء مهارات تساعدهم على العمل والاندماج في المجتمع بعد إخلاء سبيلهم".

"ومن ضمن خططنا أيضا البرنامج الأكاديمي ومن خلاله تتم مساعدة النزلاء على إكمال دراستهم سواء الثانوية العامة أو البكالوريوس وحتى الماجستير، وقمنا بتوقيع اتفاقية تعاون  مع جامعة القدس المفتوحة، من منطلق إيماننا بأن نهج الإصلاح هو الأساس في المؤسسات العقابية"، يضيف البرغوثي.

ويتابع "وفي إطار اهتمامات أبناء شعبنا بالأعمال التراثية والوطنية شجعنا النزلاء من الذكور والإناث على تنفيذ بعض الأعمال اليدوية، وأقمنا المعرض الأول لهذه الأعمال في بلدية رام الله بهدف تسويق هذه المنتجات وعودة عائدها بالكامل لأسر النزلاء والنزيلات، ولهم أيضا داخل المركز، ضمن رؤيتنا واستراتيجيتنا كمراكز إصلاح وتأهيل خاصة أن أهداف العقوبة اختلفت، حيث أصبح لدينا اليوم وكمؤسسة عقابية نهج إصلاحي يعتمد بالأساس على التقليل من احتمالات العودة إلى الجريمة وهذه رسالتنا تجاه مجتمعنا".

وعن أهلية مراكز الإصلاح والتأهيل، يوضح البرغوثي "تم تجهيز المراكز بشكل نموذجي على غرار ما هو موجود في الدول المتقدمة وبمنح من الحكومة وبعض المساعدات بحيث تخدم البنية الإنشائية البرامج التأهيلية التي نقدمها للنزلاء ومنها مشغل الفسيفساء، وورش الكهرباء، إضافة إلى مشاريع البستنة والزراعة، والمشاريع تختلف باختلاف المناطق حيث إن البرامج التأهيلية ترتبط بالمكان الجغرافي والإمكانات المتاحة، فكل محافظة لها خصوصية تتم مراعاتها".

 

"مشغل الفسيفساء" في مركز الإصلاح في أريحا.. قصص نجاح

قصص نجاح حققتها النزيلات انطلقت من مشغل الفسيفساء في مركز إصلاح وتأهيل أريحا، يقول البرغوثي "يعتبر مركز أريحا من المراكز النموذجية التي تم إنشاؤها وفق المعايير الدولية التي توفر للنزلاء والنزيلات بيئة معيشية وبيئة تأهيلية آمنة نستطيع من خلالها تحقيق رسالتنا ورؤيتنا تجاه النزلاء والمجتمع والواجب الذي يلقيه علينا واجبنا الاجتماعي والقانوني، ومن هنا قمنا في مراكز الإصلاح بإنشاء مجموعة من الورش سواء في إطار تأهيل النزلاء والنزيلات، وآخر هذه الورش والمشاريع كان إنشاء مشغل الفسيفساء في مركز أريحا، والهدف منه تأهيل النزيلات وإكسابهن مهارة وحرفة تمكنهن من صنع لوحات فنية بمحتوى اجتماعي ووطني ويتم عرضها وبيعها من خلال المعارض التي نقوم بتنظيمها، حيث يعود ريع هذه اللوحات للنزيلات ولذويهن، ومن خلال المهارة التي يكتسبنها من العمل داخل مشغل الفسيفساء فإنهن حققن قصص نجاح في هذا المجال حيث قامت نزيلات بافتتاح مشاريعهن الخاصة بعد الافراج عنهن،  حيث كانت هذه المشاريع امتدادًا لبرامج تأهيلية خضعت لها النزيلات داخل المركز، وهذا ما يشجعنا على الاستمرار في إكساب النزيلات هذه المهارات".

 

شهادات وكلمات وشكر ورسائل من نزيلات في مراكز الإصلاح والتأهيل

بينما يعد الكثير من النزلاء والنزيلات الأيام لمغادرة الجدران المغلقة والأسوار العالية التي فرضتها عليهم عقوبتهم الجنائية، يقضى آخرون العقوبة فى بناء عقولهم عن طريق الدراسة داخل السجن، وتطوير مهاراتهم، يتغلبون بها على الظروف، ويحولون معها المحنة إلى منحة.
وتشير دراسات غربية إلى أن احتمالات عودة السجناء الذين حصلوا على تعليم عام وتدريب مهنى إلى السجن بعد إطلاق سراحهم أقل بكثير مقارنة بأقرانهم الذين لم يحصلوا على هذه الفرص أثناء فترة حبسهم.

و خلال جولة فريق جريدة "الحياة الجديدة " في مرافق مركز الأصلاح في أريحا قمنا بزيارة مشغل الفسيفساء الذي تعمل فيه النزيلات، حيث لاحظنا أن إنتاجهن يرتقي إلى الاحترافية من خلال لوحات فسيفسائية ذات طابع اجتماعي ووطني، حيث تقوم إدارة المركز بتزويدهن بالمواد الخام وأدوات الإنتاج .

تقول خديجة بلاطية وهي نزيلة تقضي محكوميتها في مركز أريحا "أعمل حاليا في مشغل الفسيفساء التابع لمركز الإصلاح والتأهيل في أريحا، حيث خضعت لعدة دورات في التطريز وتصميم الفسيفساء ودورة خرز وصوف واستفدنا من هذه الدورات بشكل كبير بحيث أصبحنا مؤهلين للعمل في الأعمال اليدوية بشكل محترف، كما ان العمل في هذه المجالات ساعدنا على تأمين مورد مالي لنا من خلال بيع منتجاتنا في المعارض التي يتم تنظيمها من خلال إدارة مراكز الإصلاح، إلى جانب أننا نقوم ببيع منتجاتنا للنزلاء المتواجدين في المركز الذين يقومون بإرسالها لذويهم وعائلاتهم".

"بعد الخبرة التي اكتسبتها والدورات التي خضعت لها، سأقوم وبعد خروجي من المركز بتأسيس مشروع خاص بي في مجال الأعمال اليدوية"، تقول بلاطية .

النزيلة غدير محاجنة تقول: "تساعدنا الأعمال اليدوية التي نعمل بها في المركز على تقضية الوقت كما تبعدنا عن التفكير بأفكار سلبية، وتساعدنا على التفكير أكثر بكيفية تطوير أنفسنا في هذه المجالات وكيف يمكن عمل نماذج وتصاميم جديدة سواء في مجال عمل الفسيفساء أو في تصاميم التطريز والخياطة، هذه الأعمال تحسن حالتنا النفسية والمعنوية".

وتضيف محاجنة "أهتم دائما بالمشاركة في أية دورة يقدمها المركز للنزيلات، في محاولة استغلال وقتي واستثمار طاقتي في أعمال مفيدة تعود علي بالنفع المادي والمعنوي، كما شاركت أنا وزميلاتي بأعمالنا اليدوية في المعرض الذي نفذته إدارة مراكز التأهيل بالتعاون مع بلدية رام الله، الذي عاد علينا بريع مادي جيد جدا، ولن أنسى هنا أن أشكر المركز الذي يقوم بتوفير المواد الخام لنا من خلال التعاون مع مؤسسات وهيئات".

"أفكر بعد الخروج من المركز بعمل مشروع من خلال خبرتي التي اكتسبتها في المركز" تقول محاجنة.

في السياق، تقول النزيلة مي الطويل: "أعمل في التطريز منذ 3 سنوات، وعملت على تطوير مهارتي في هذا المجال من خلال الدورات التي تلقيتها في المركز، خاصة أنني لم أكن قبل الدخول للمركز أمتلك أية خبرة في هذا المجال، والحمدلله شعرت بتحقيق قصة نجاح من خلال مشاركتي في المعارض التي ينظمها المركز وكان آخرها بالتعاون مع بلدية رام الله".

وتقول النزيلة  تغريد الطيبي التي تقضي فترة محكومية مدتها 15 عاما،  تنقلت فيها بين نابلس وجنين وأريحا: "شاركت في معارض كثيرة وكانت كلها ناجحة، وكانت منتجاتنا من الفسيفساء والقش والتطريز، الدورات أكسبتنا الكثير من المهارات التي ستساعدنا على تأسيس العمل الخاص بنا عند الخروج من المركز".

 

نزيلات أسسن مشاريعهن الخاصة وأصبحن مدربات

في مشغل الفسيفساء التقينا أيضا النقيب نهى مصاروة/ مسؤولة قسم تأهيل النساء في مركز إصلاح أريحا، التي أوضحت لنا: "أعمل منذ 20 عاما في مراكز الاصلاح والتأهيل، ومنذ 8 سنوات صار التركيز منصبًا على مراكز الإصلاح على تفعيل عملية تأهيل النزيلات وكان آخرها تأسيس مشغل الفسيفساء في مركز إصلاح أريحا بالتعاون مع مركز ضحايا التعذيب، كما نفذنا دورة في عمل الفسيفساء من 8 أشهر تخرج منها حوالي 12 نزيلة أصبحن قادرات على إتقان هذه الحرفة، خاصة بعد خروجهن من المركز وهنا عدد من النزيلات اللواتي حققن قصص نجاح بعد خروجهن من المركز وافتتاح مشاريع صغيرة خاصة بهن في مجال الحرف اليدوية، وهناك من عملن كمدربات يقمن بإعطاء دورات في مجال الحرف اليدوية التي اكتسبنها في مراكز الإصلاح والتأهيل".

وتضيف مصاروة: "في مشغل الفسيفساء نقوم بمساعدة النزيلات من خلال الدورات المتخصصة في هذا المجال إلى جانب رفدهن بالرسومات والأحجار اللازمة لهذا العمل، قمنا بتنظيم معرضين خاصين بمراكز الإصلاح تضم كل الأشغال اليدوية التي تعمل عليها النزيلات، وحققت نجاحا متميزا".

"هدفنا هو الاستمرارية في عرض هذه الأعمال من خلال تنظيم المزيد من المعارض، وتشجيع المواطنين على شراء هذه المنتجات ، كما نطمح إلى تنفيذ المزيد من الدورات على صعيد الطهي وإعداد المأكولات"، تؤكد مصاروة.