عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 06 تموز 2023

مسرحية "الهوتة".. مقبرة الأحياء والأموات

على خشبة المسرح الوطني الفلسطيني الحكواتي

القدس- الحياة الثقافية- ميس عاصي- يبدأ دخول الجمهور إلى قاعة المسرح دون معرفة ما ينتظرهم، يجلس الجميع على مقاعدهم ينتظرون أن يبدأ العرض، يحذر مدير مسرح الحكواتي "عامر خليل" من استعمال الهواتف والتصوير قبل أن تطفئ الأضواء .
قماشة نظيفة بيضاء يسطع منها الضوء، لا يعرف المشاهد أنها ستكون دموعه النازفة المكبوتة فلن تستطيع أن تعبر عن نفسها، أو تتنهد للحظة.  كأنها نشرة أخبار مليئة بالأحداث من البداية رغم تسلسل الحكاية والنص المحبوك في كتابته وإعداده من الفنان المميز عامر حليحل، إلا أن الضياع، الخوف، الغضب، والإنتظار هو حليف الجمهور في هذا العرض "المونودرامي" المكون من ممثل واحد، يبدع في سرد الحكاية وتقمص الشخصيات المختلفة، وبناء كل الأحداث.
 وهو ليس عرض الموندراما الأول للفنان عامر حليحل، فهو من الممثلين الذين لا تمل من حضورهم حتى بعد مرور ساعة أو أكثر، وفي رصيده الكثير من الأعمال ولكن مسرحية "الهوتة" أطولها وفي طرحها  الإنساني القاسي، تحكي للعالمية أجمع  بطريقة مبدعة في الكتابة ربط حكاية الماضي بالحاضر، فأعادنا إلى قصص الطفولة التي ضلت تلاحقنا حتى كبرنا ونحن لم نشفى بعد منها، لنراها في النهاية تدفننا معها في حفرة الهاوية "الهوتة".  

الهوتة "الجورة" 
ظاهرة طبيعية، كهف عمودي، فتحة في الأرض لا يعرف أحد نهايتها، ترافقنا منذ بداية العرض لتكون السبب الرئيسي في التحول الذي يحدث مع شخصية باسل.  من الطفل الذي يحاول أن يثير إعجاب بنات صفّه، ويرفع من مكانته في قريته وبين أصدقائه، فيستجيب لنصيحة صديقه، ويدرب نفسه أكثر فأكثر على إلقاء الأشعار وسردها، فلا ينجح أول مرة في نيل إعجاب ليلى، التي يمر على ديار ليلى يربطنا ويعيدنا فيها إلى اشعار الجاهلية، رغم أن كل الأشعار كانت لحبيبته ليلى،  إلا أنها لا تعجب فيه منذ البداية، فيجرب نصيحة صديقه في النزول إلى حفرة الهوتة، والتي يعتقد الناس بأنّ ثمة غولة بجناحين عملاقين تسكنها، ولكن باسل يخرج منها سالمًا، بعد أن ينزل  إليها لأول مرة، ويواجه بعضاً من مخاوفه التي تحولت بعد نزوله، إلى اسراب من الحمام رفرفت معه وكأنه هو الغول الذي كان يخافه . بخلاف ما توقّعه الجميع، خرج باسل من دون أن تأكله الغولة، ليصدم المجتمع البسيط الذي يخاف الأساطير، وتسيره المسلمات، فيحكم على باسل بفكره الجاهل، أنه أصبح عميلاً للغولة و أنجب منها جنود لا يتحركون إلا بأمر من باسل، لكن لا يستمر خوف الناس من باسل وذلك لأن أحدهم يقول لهم أن باسل بطل فهو الذي استطاع التغلب على الغولة وترويضها لرجولته، التي أساسها هو العضو الذكري، فمازال العقل الذكوري المتحجر يحكم أفكارنا . وكان هذا الرأي الّذي يستند لكتب لم يقرأها أحدا منهم من قبل كفيل بإقناع أهل البلد بأنّ باسل بطل بالفعل.

أول طلقة/ وهروب من الواقع 
يخوض الجمهور تجربة مضحكة في البداية مع حفرة الهوتة، التي اضحكتهم كثيراً وسمحت لهم أن يتنفسوا قبل أن تعصف فيهم من جديد رياح الحرب مع شريطة الأخبار، التي تحولت فجأة ومع أول طلقة إلى رصاصة في الصدر، ومع ذلك يستمر في محاولة سرقة النفس والهروب من الواقع، فيفاجئنا بغناء كلاسيكي بصوته الحنون الخائف الضائع الذي يبحث عن شط أو أي ملاذ آمن يلوذ إليه من ويلات الحرب . دائماً كنا نسمع زوج والدة  باسل يطلب منه أن لا يتدخل، وأن لا يكون جزء من الحرب " احنا ما دخلناش، احنا بدنا نعيش"، كلمات تتكرر في البداية مع أغاني كلاسيكية لها وقعها الخاص على العالم العربي   "بتونس فيك " و " أول مرة تحب يا قلبي" و "اهواك "، مع أصوات الموسيقى المرافقة للعمل منذ البداية، وكأن نبضات القلب من قوتها تحولت إلى ايقاعات  .
المظاهرات منذ البداية في كل مكان  وباسل لا دخل له في الحرب . ومن دون إنذار مسبق هبت العاصفة الهيجاء لتحمل باسل وتأخذنا معه إلى الدمار، الكل كان يطلب منه أن يبتعد عن الدمار ويعيش،  في نفس الوقت يشده الكل ليكون جزء من هذا الدمار، حتى وجد نفسه فجأة  في عمق الحفرة.   " ما ترجعش ع الشغل لحد ما تلاقي اخوك،
بتروح بتلاقي طلال وبتجيبه من آخر الدنيا" . 
تستمر الاحداث مع باسل الذي أصبح من الصعب العودة معه إلى الوراء، وكأن الطائرة أقلعت بكل الجمهور مع باسل، رغم كل التجهيزات والتحضيرات التي رافقت باسل منذ البداية لتهيئنا الى ما هو قادم إلا أنّ الأحزمة لم تكن كافية لتمنع مشاعرنا وقلوبنا من القفز خارج المسرح الذي تحول إلى ساحة حرب، تحاول فيها أن تتفادى أي قنبلة أو رصاصة طائشة يحذرنا منها باسل.

عاصفة من التساؤلات و الحروب 
كلما تعمقنا أكثر، ضاق النفس أكثر، ومع زيادة الاختناق تأتي الرغبة في الصراخ، ولكن تستمر في الكبت تصمت لا يمكن التنهد باسل يحارب لوحده، لم تكن رغبته، كأنه يطلب النجدة طوال الوقت، ولكن ممن؟ من هو؟ ومن نحن ؟ تساؤلات كثيرة في النفس البشرية والوجود الإنساني، من يقاتل ومن نقاتل؟ إلى ماذا حولتنا هذه الحرب، بين صراع الأفكار والأحزاب والفصائل والقوى ؟  الحرب الأهلية الأنتفاضة الأولى مظاهرات مسيرات سلمية حروب في كل العالم الشريط الاخباري مازال يمر. 
تفسر المسرحية الحرب بكل أوجهها، وكيف أن الإنسان يتحول إلى قطعة رخيصة، تحركها قوى عظمة، لا تهتم إلا في استمرار الحرب، فتحولنا إلى دمى لتتحكم في مصيرنا ومستقبلنا السوداوي، كما حدث مع باسل الذي نراه منذ البداية يعيش حالة انفصام مع او ضد، ولكن الحرب لا تعطي خيارات، وهذا ما حدث مع باسل الذي بدأ في رحلة البحث عن أخوه طلال،  الذي اجبره ضياعه أن يكون جزء من أحزاب وحركات مسلحة، يحمل السلاح ويلتحق في الصفوف، حولته إلى شخص لم يعد يعرف نفسه، كما يحدث معنا في الواقع، وتوقفت كل حياته وهو في رحلة البحث عن أخيه طلال، كبرت قصته مع ليلى ورحلت عنه ليلى مع طفلها الذي تحمله في احشائها، ولم يعد طلال.
 كانت هذه اللحظة من حياة باسل الذي فقد اخوه وابوه من الحرب وخرج ليبحث عنهم كقصة الشباب الذي خرج ليقتات قوت يومه لكنه لم يعد إلى بيته، لأن ثلاثة رصاصات حاقدة من شخص حاقد اخترقت قلبه وجسده، وحرمت أمه واخوته من توديعه، أو عمل جنازة تليق في دفنه، وكباسل هم لا يريدون الحرب .
يصبح باسل بعد أن فرضت الحكومة عليه أن يجد أخوه طلال ويسلمه، مهاجراً ضائعاً في بلده،  يبحث عن أخيه طلال الذي التحق في صفوف المعارضة، لم يعد باسل الشخص نفسه نرى هذا التحول بشكل مباشر في الشخصية التي تعلمت معنا معنى الفقدان، وذكرتنا فيه، اصبح وجهه شاحباً، وجسده مرتجف من التعذيب والترحيل القسري ومحاولة العودة إلى قريته في الخفاء، كي يجدها كلها مهجورة، حبه للبقاء على قيد الحياة كان دائما هاجس يرافقه، نرى ذلك في مشهد حساس يجبر فيه على القتل، فيكون صراع النفس، وبصيص من الأمل يمنعه من الأستسلام، يزيد حبه لنفسه ولمن لم يستطيع البقاء معهم، فيطلق رصاصته رغم كل الخوف والدموع والعرق الذي يمنعه من أن يرى ضحيته، إلا أنه يطلق في رأس صديقه ثلاث رصاصات، فهل فضل نفسه؛ حب البقاء والاستمرار في الحياة، الأنانية وعدم القدرة على التضحية ربطها كلها في حاجة ليلى وطلال وعائلته التي لا يعرف مصيرها، بحاجته للبقاء على قيد الحياة، رغم بشاعة الواقع إلا أن الرغبة في الاستمرار تفوز . 

العودة إلى هواجس الماضي والوقوع في الهوتة
 استمر باسل في استعمال ذكائه وقدرته التي تميز فيها وهو طالب في حفظ الشعر، ليتميز مع الجماعات التي كان يلتحق معها جبراً، في الانصياع للأوامر، كان محكوما عليه بالإعدام مسبقاً منذ دخوله إلى الحرب، وقبوله الصفقات.
 مشاعر البرود والغضب تعم الجو، لم نعد نسمع اسم ليلى وطلال، اصبح باسل جزءاً مهماً من الحرب، وكأن الحرب انسته السبب الرئيسي لطرده من عمله، وطلب أمه منه عدم العودة من دون أخوه طلال. ومع كمية الأحداث التي تمر على المشاهد أثناء العرض، وخاصة في الجزء الأخير من العرض ومع التحولات التي تحدث للشخصية، تزداد الصفعات على وجه باسل وفي نفس الوقت تشعر بصفعة كبيرة يوجهها باسل للجمهور.
 تتوالى الاحداث ليعود فينا باسل إلي البداية حيث كانت حفرة الهوتة، ولكن يختلف الحضور مع باسل هذه المرة فالمقاتلين يبحثون عن مقبرة  جماعية، ليلقوا فيها جثث الحرب، وهنا يقترح عليهم باسل حفرة الهوتة، التي تحوله وللمرة الثانية إلى بطل، ولكن لعنة الهوتة كانت اقوى من باسل، الذي نزل معنا من جديد إلى حفرة الهوتة،  لا ليبحث عن الغولة، بل ليجد اخوه طلال وزوجته ليلى ولربما أمه! ولربما اخوه وزوجته!!، وكأنها فوهة من الجحيم فُتحت مع أصوات الرصاص والصراخ والأنين، من الأوجاع التي تستمر في النحيب، لم يكونوا كلهم موتى ولكن كلهم كانوا في نفس حفرة الجحيم، لم يعد هناك صوت لهديل الحمام اختفى الكلام، تشتم رائحة الجثث، الشريط اصبح ينزف بالدماء، رغم أنه كان مازال معلقاً  على خشبة المسرح، إلا أنه اجتاح المكان، و بدأ يلتف حول الأعناق بكمية الحروب التي مرت عليه وذكرت، كلها كانت تطوقنا لتتحول القاعة  كلها إلى حفرة الهوتة  " قصصك الشخصية، التافهة التي فكرت مسبقاً أنه لا يمكن أن يأخذها أحد منك، لأنها محفورة في رأسك، تأتي الحرب وتأخذ كل شيء منك بلحظة، الحرب مثل السيل، يسحب معه كل شيء، بعد شتوة قوية، وتترك امامك خيارين: إما الانجراف مع السيل، لتكون شخصا آخر من الذين أخذهم السيل في الحرب، أو التعلق في أقرب طرف قادر على حمايتك، ولكن بعد هذه اللحظة لا تستطيع الرجوع أو النظر إلى الطرف الثاني، وقوة السيل تزيد تجبرا، وكل شخص فينا يزداد تمسكا بطرفه دون التوقف للحظة، والتفكير أن الناس أيضاً في الطرف الآخر، تتمنى أن يتوقف السيل، ولكن الموج أقوى منها، والسيل أقوى منا، والحرب أقوى .. حتى مخاوفنا باتت تخاف مما كنا نرتعب منه، الغولة أصبحت تخاف من نفس الشيء الذي يخيفنا. 
" حتى الغولة خسرت بيتها في الحرب، حرب في أوكرانيا، حرب على غزة، حرب في السودان ، حرب في العراق، حرب في ليبيا، حرب في اليمن، حرب في سوريا، حرب...." 
انتهت المسرحية بهذه الكلمات ومعها انتهت الأنفاس، أول مرة اشاهد الجمهور ينتظر ليستوعب أنها النهاية، كان وقع الاحداث مازال يلتف على الشريطة البيضاء يتوق المساحة كلها، الكل كان متأثرا صامتا شاحبا صامتا،  وكأن الحرب ارهقتنا، وبلغتها و  وحشيتها تحدثت بالنيابة عنا، فكل يوم نحكي عن قصة فقدان وضياع، عن خسارة منزل وعائلة، ونعيش ونتعايش مع كل الأحداث وهنا كانت الصفعة المباشرة من باسل الذي أعادنا إلى ضياعنا في عالم تملئه الحروب . 
 ومع الأفكار والضياع وكمية الصدمة التي أصابت الجمهور إلا أنه صفق بحرارة للفنان عامر حليحل الذي له حب ومعزة خاصة عند الجمهور.
وبقي الأثر الفكري معهم ليخلق الحوار الداخلي مع النفس، ومع المجموعة، وهذا ما يؤكده المسرح الذي يعتبر الطريق لتطيهر الذات والنفس، وفي نفس الوقت لتنوير الفكر، وتأجيج المشاعر، فالمسرح رغم كل الصعوبات التي يواجهها في عالم التكنولوجيا والعولمة والتطور والسوشال ميديا، التي تتحكم بالفكر والعقول، إلا انه مازال غذاء للروح، والجمهور المسرحي دائما ذواق وذكي ومتابع للعروض المميزة.

مرجع لسبب التسمية 
لم يكن اختيار عنوان المسرحية محض صدفة فالهوتة هي فعلا منطقة موجودة في ريف رقة،85كم شمال مدينة الرقة في سوريا، وتعرف اليوم بحفرة الموت،  كانت في ما مضى مكان يهرب إليه أهل الرقة للتنزه  في سنوات ما قبل الحرب هرب من السهول، ولكن وبحلول عام 2013، بدأت سيطرة عصابات داعش على المنطقة لتصبح الحفرة العميقة جدا  مصدر مرعب لأهل الرقة، وفعلا كان يتم رمي الجثث فيها سواء كان مدني أو عسكري كان يتم إعدامهم فيها، حتى قيل أن الأحياء كانوا يلقون في هذه الحفرة، كثرة الأهوال التي شهدتها المنطقة، سهلت نسج الروايات والأساطير حول حفرة الهوتة، وهي جداً عميقة تحولت اليوم إلى وحش أسطوري،  يبتلع من يقترب منها، رائحة الموت تفوح منها، وتسمع نداءات استغاثة أو صداها . 
وقد استطاع الفنان الرائع عامر حليحل، ومع كل المؤثرات الصوتية، والديكور البسيط، أن يدخلنا معه الهوتة بكل تفاصيلها، ويسلط الضوء على أهم قضايانا، ويعيد تحريك المشاعر التي ماتت من كمية الدمار، وكأن الجمهور في حالة من الصدمة لكمية المشاعر التي خلفتها المسرحية في داخلنا . 
وقد عبر أحد الجمهور عن رأيه في العرض قائلاً: " كل مرة أشاهد فيها الفنان الجميل عامر حليحل، أشعر بالفخر وأجده يصعد فينا إلى القمة من جديد. يقفز فينا قفزاً، إنه كالنسر دائما يحلق في السماء، يتحد المعنى بالجسد فيصير حصانه الذي يمتطيه كفارس يوجهه أينما أراد، يتلاعب في صوته وكأنه عوده الذي عليه يعزف، ينطلق الوجدان محلقاً، لكنه يبقى مقيداً في حركة يديه التي تبقيه معنا في المعنى، الهوتة ملحمة ضد الحرب الأهلية يتحد فيها الخاص والعام في كلية الموت المفجع لتجثم على صدور الناس صخرة لا تتزحزح، ينقطع الأخ عن أخيه، ويصير الدم أسود يغطي بياض الستارة، خلف الراوي وياله من راوي إنه جلجامش العائد من قصيدة الموت " .  
تم عرض مسرحية الهوتة  بعد عرضها في حيفا، على خشبة المسرح الوطني الفلسطيني" الحكواتي"، في القدس،  كتابة و إعداد الفنان المبدع عامر حليحل، إخراج  وتصميم أمير نزار الزعبي ، تمثيل الفنان عامر حليحل، موسيقى سمر كينغ حداد، إضاءة معاذ الجعبة . 
وسيتم عمل عرض جديد لمسرحية الهوتة في مدينة القدس، خلال الفترة القادمة في مركز يابوس الثقافي، بالإضافة إلى جولات العروض المستمرة لهذا العمل المميز، بكل معطياته.