عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 17 حزيران 2023

المسرح الجوال للدمى المتحركة في غزة.. تعليم وتوعية بنكهة الترفيه

غزة- الحياة الجديدة- سهاد الربايعة- المسرح الجوال للدمى المتحركة بقطاع غزة فكرة إبداعية تستهدف الأطفال للترفيه عنهم وللتعبير عن مشاكل المجتمع والتوعية بقضاياه، خاصة المتعلقة بالعنف ضد النساء والفتيات، جاب المسرح مختلف محافظات قطاع غزة، ولاقى ترحابًا بين صفوف المواطنين الذين اعتبروه ملاذاً آمناً لأطفالهم، ووسيلة ترفيهية تعليمية بسيطة وسهلة ومحبوبة لديهم. 

تجربة جديدة

الشاب سليم حسن ( 24 عاما) أحد المشاركين بعروض مسرح دمى الماريونيت المتحركة أوضح أن الأطفال بمجرد ظهور الدمى أمامهم على المسرح يذهلون ويندهشون، متسائلين بأن الدمية التي يلعبون بها في البيت تقف أمامهم وتتحرك وتتحدث مع دمى أخرى، وكأن أحد أحلامهم قد تحقق، وهذا يبقيهم مندمجين مع العرض إلى نهايته، مستفيدين من كل لحظة تتحرك فيها الدمى على المسرح الخشبي، مبيناً أن الأطفال أبدوا رد فعل تمييزيا بين السلوكيات الخاطئة ورفضها، والسلوكيات الإيجابية التي تعرض أمامهم من خلال الدمى يتفاعلون معها ويتقبلونها، ذاكرًا بأنه في أحد العروض تم طرح مشكلة عائلية، فأصبح الأطفال يسقطون رد فعلهم على واقعهم ويربطونها بشخصيات عائلاتهم، مشيراً إلى أن المسرح يعتبر وسيلة مهمة لتوعية الأطفال بمحيطهم ومشاكلهم، كما يعمل على تعديل سلوكياتهم الخاطئة، وتوجيه حلول سليمة إليهم تنقل من خلال الدمى التي تحاكي الواقع، كما يعزز المسرح لديهم النقاش والسؤال حول كل تصرف يصدر من الدمى والبحث عن الإجابات الصحيحة والبناءة من قبل ذويهم وإقناعهم بما هو إيجابي ورفض التصرفات والسلوكيات السلبية.

وعن تجربته الشخصية قال حسن: "أول مرة شاهدت فيها الدمى تساءلت كيف لدمية مصنوعة من الكرتون والقماش والخشب أن توصل معلومات للأطفال، فأنا لم أكن أعلم ما يدور بين المؤدي والدمية من قبل، لكن التجربة أوضحت لي أن المؤدي ينقل مشاعره للدمية ويتحرك معها ويتفاعل ويندمج وينقل كل أدائه وشخصيته من خلالها، وهذا ما يلاحظه المشاهد بأن الدمية حية وتتفاعل بجدية، ما يسهم بواقعية العروض واستشعار المشاهدين لكل كلمة وفعل ينتج من الدمية، ويحقق نجاحا للعروض".

ووصفت نورهان الطباطبيبي إحدى المشاركات في عروض مسرح الدمى، مشاركتها بالتجربة النوعية والمختلفة كونها محامية وليس لها علاقة بالمسرح، لكنها وجدت فيه وسيلة إبداعية للتعبير عن مشاكل النساء وقضاياهن، وقالت: "أنا أشاهد ما تعانيه النساء في المحاكم من قهر وظلم، ولأننا كمحامين لا نستطيع تغيير القانون، فنبحث عن وسيلة لتغير أفكار المجتمع تجاه قضايا النساء ومناصرتهن، فكان المسرح إحدى تلك الوسائل المتاحة لنوظفها لمحاكاة الجمهور واستشعاره بخطر بعض القضايا التي تمس النساء، وتأثيرها على الأسر الفلسطينية وبناء المجتمع، فاستطعنا من خلال مسرح الدمى المتحركة نقل رسالتنا بسهولة ويسر"، مشيرة إلى أنها تلقت تدريبا مكثفاً مسبقا مع مركز التنمية والإعلام المجتمعي بغزة عن كيفية إنتاج العروض المسرحية التي استهدفت العروض مدارس الأونروا في بداية الأمر ثم مؤسسات المجتمع المدني ورياض الأطفال، الذين رحبوا بمشاهدة العروض المسرحية مع ذويهم كتجربة أولى لهم ساهمت في الترفيه عنهم وتوضيح بعض المشاكل التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني، موضحةً أن الهدف الأساس للعروض هو تجديد الأفكار ودفع الجيل الجديد إلي تبنى عادات جيدة وإيجابية نحو تشاركية الأدوار بين أفراد المجتمع القائمة على التعاون والمساواة بين الجنسين بعيدًا عن الحرمان أو المنع أو العنف المبني على أساس الجنس.

وقالت الطباطبيبي إن المسرح أداة مهمة لبناء شخصية الأجيال وتوجيه سلوكهم وتنمية قدراتهم الذهنية والفكرية والنفسية، مردفةً أن مسرحية "كلام ريهام" التي تعتبر العرض الرئيس سلطت الضوء على مشكلة قائمة داخل بعض الأسر الفلسطينية حول اضطهاد الفتاة وتعنيفها، حيث لاقت المسرحية ردود فعل رافضة للعنف ضد الفتاة في المنزل، ما أثار لدى الأطفال التساؤلات وفتح نقاش مع ذويهم حول شخصيات الدمى المؤدية للأدوار، معتبرة رد فعل الأطفال أثراإيجابيا واستجابة لفكرة التغيير، لأنهم تفاعلوا بكامل حواسهم مع الدمى.

وبالنسبة للتحديات التي واجهت فريق العمل بين المشاركون أنها تتمثل في صعوبة نقل المسرح بكل معداته بين مختلف محافظات قطاع غزة، وما يعقبه من تركيب وفك وتحضير للدمى، وهذا من وجهة نظرهم يشكل عبئا وإرهاقا وتكلفة كبيرة عليهم، كما أن منع الاحتلال دخول بعض مواد صنع دمى الماريونيت يشكل عائقًا آخر أمامهم، نظراً لأن المواد المتوفرة ليست ذات جودة عالية، ورغم كل ذلك هم مستمرون بكل حبٍ شغف حسب وصفهم في تقديم عروضهم المسرحية للأطفال لتحقيق هدفهم ونقل رسالتهم، مردفين أن بعض المؤسسات المجتمعية في قطاع غزة بدأت تلجأ إلى فكرة وجود مسرح جوال متنقل، نظرًا لتأثيره على الأفراد، وإسهامه في تسليط الضوء على الكثير من القضايا المجتمعية، متمنين أن يكون هناك مسرح متنقل يُستخدم في تقديم العروض بكافة محافظات القطاع، معبرين عن رغبتهم أن يصبح مجال المسرح وصناعة الدمى المتحركة واقعًا حقيقيًا في قطاع غزة ومجالًا مفتوحًا للكثير من الهواة.

أداة للترفيه والتربية

وتحدثت خلود السوالمة مدير البرامج في مركز التنمية والإعلام المجتمعي بغزة (CDMC) لـ "الحياة الجديدة"، أن الهدف من العروض المسرحية باستخدام الدمى المتحركة  توعية طلاب المدارس بالدرجة الأولى في جميع أنحاء قطاع غزة حول حقوق المرأة والعنف القائم على النوع الاجتماعي من خلال نهج تعليمي مبتكر، وهي جزء من مشروع "حشد الإعلام والمجتمع من أجل وصول النساء إلى العدالة والأمن في قطاع غزة" الذي يهدف إلى تحسين وصول المرأة إلى العدالة ودور القانون في تعزيز حقوق المرأة من خلال جهود المناصرة والتوعية، بالإضافة إلى المساهمة في توعية المجتمع حول العدالة بين الجنسين، وحقوق الإنسان للمرأة في الاتفاقيات الدولية وآليات منع الجرائم الإلكترونية، مضيفة أن العمل على المشروع بدأ باستقطاب شباب ويافعين هواة وفنانين للمشاركة في مخيم تدريبي، حيث تم استقطاب 14 شاباً وشابة (14-25 سنة) شاركوا في مخيم تدريبي استمر7 أيام حول المهارات المسرحية ومسرح المحاكاة باستخدام دمى الخيوط، تعلم خلالها الشباب كتابة سيناريو المسرحية وصناعة الدمى وتحريكها، بالإضافة إلى تدريبهم المعرفي حول النوع الاجتماعي والتمييز ضد النساء والفتيات، وعملوا بعدها على صياغة سيناريو مسرحية "كلام ريهام" وصناعة شخصيات المسرحية، مشيرة إلى أن كل شخصية تم تشكيلها حسب خصائصها ودورها في المسرحية، وبعد الانتهاء من التدريب وصناعة الشخصيات تم تنفيذ عدد من البروفات لتمكين فريق المسرحية من الأداء والتحريك خلال العروض الفعلية التي تمت في أكثر من 10 مدارس ابتدائية وإعدادية، حضرها ما يزيد عن 3000 طالب وطالبة وعشر مؤسسات مثل: أطفالنا للصم، الأمل للتأهيل، مركز نوار الثقافي والحق في الحياة، دار الشباب وغيرهم في جميع محافظات قطاع غزة حيث حضر العرض ما يزيد عن 1200 شخص من الأطفال وأهاليهم، مؤكدةً أن الهدف الأساسي من العروض هو تناول القضايا المجتمعية الحساسة التي لا يمكن الحديث عنها مباشرة للجمهور، حيث تم توظيف مسرح الدمى كأداة مبتكرة للإضاءة على مثل هذه القضايا وتوصيل الرسائل بكل سهولة ويسر، موضحة أن العروض المسرحية مستمرة حتى منتصف أيلول المقبل وأن هناك خططا لإنتاج مسرحية أخرى بعد منتصف هذا العام للحديث عن قضايا العنف الرقمي والجرائم الإلكترونية ضد النساء والفتيات".

وحول العوائق التي واجهت المركز، قالت سوالمة:" إنتاج المسرحية وصناعة الدمى والبروفات التي تسبق العروض الرسمية تحتاج لجهد ووقت طويل، كان من المخطط تنفيذها في شهرين إلى ثلاثة لكننا وجدنا أنها تحتاج وقتا أطول كتجربة أولى لنا في هذا المجال، ولكننا سعينا بكل جهد لإنجازها وتنفيذها، كما تحتاج المسرحية لعرضها في المدارس والمؤسسات إلى وجود مساحة مريحة لتركيب المسرح والكواليس وكل التفاصيل المتعلقة بفريق العمل والدمى وخشبة المسرح، وبناء عليه اقتصر العرض في المدارس والمؤسسات التي لديها المساحات المطلوبة، وعليه قمنا بتصوير المسرحية وسيتم عرضها عبر وسائل التواصل الاجتماعي في وقت لاحق حتى تصل لعدد أكبر من الناس"، مشيدة بالأثر الذي حققته مسرحية "كلام ريهام"، وأن كثيراً من الأطفال تحققت لديهم المتعة والترفيه وضحكوا كثيرا على بعض المشاهد، وعدد منهم تفاعل مع محتوى المسرحية ومواقف الشخصيات فيها وكانت لديهم تعليقات على حديثهم وطريقة أدائهم، وتحدث الكثير منهم بعد العروض عن آرائهم في الشخصيات فمهم من كان ضد "وائل" الأخ الأكبر ريهام ومنهم من عبر عن إعجابه الشديد بـ"ريهام"، ووجهت سوالمة رسالة  خلال حديثها "للحياة الجديدة" بضرورة الوقوف جنباً إلى جنب لتعزيز احترام النساء والفتيات وصون كرامتهن، لننعم بمجتمع صحي كله سلام وأمان، فالنساء هن كل المجتمع هن الرائدات، البانيات والمطورات.

وسيلة لتطوير الشخصية

وأوضحت الأخصائية النفسية شيماء حماد أن العروض المسرحية لها تأثير إيجابي على شخصية الطفل، فهي تساعد في تطور مهارة التخيل خصوصا لو كان العرض يحتوي على شخصيات كرتونية أو دمى متحركة تجذب انتباهه وتساعد على تعزيز أفكاره وتطوير قدرته اللغوية من خلال استماعه لمصطلحات جديدة، كما تساعد على تنمية الترابط بين حواسه من خلال تركيزه على أكثر من جانب أثناء مشاهدته أو مشاركته في العرض المسرحي، وتسهم كذلك في اكتشاف حواسه وقدراته الحركية من خلال تقليد ما يشاهده وهذا ما يسمى "التعلم بالنمذجة"، مبينة أن العروض المسرحية تضيف معلومات جديدة للطفل وتوسع آفاقه عن العالم، مما يؤهله لتكوين شخصية مرنة قادرة على الانفتاح والتعلم بشكل أسرع، مؤكدة أنه من الضروري وجود حصة مسرح في المدارس على أن تتم متابعتها من خلال الإدارة، وذلك للتأكد من أن هذه للعروض توجه الأطفال نحو أفكار تلائم مجتمعنا وتتناول موضوعات تساعد على القضاء على الظواهر السلبية مثل التنمر والسلوك العدواني أو التسرب المدرسي أو عروض تعزز السلوكيات الجيدة التي من شأنها أن تساهم في زيادة جودة البيئة الدراسية، كما يمكن للعروض المسرحية أن تسلط الضوء على موضوع الأدوار الاجتماعية بشكل يناسب المرحلة العمرية للأطفال بما يضمن توسيع آفاق الطفل حول دوره بالمجتمع بما يضمن تعزيز شخصية الطفل بما لا يتعارض مع قيمنا الدينية والثقافية والاجتماعية، وتغيير الصورة النمطية عن الأدوار الاجتماعية وتوضيح بأنها أدوار تشاركية وتعاونية بين الرجل والمرأة، أما بالنسبة للعروض التي تقدمها المؤسسات فقد أشارت حماد إلى أنها ساهمت بشكل كبير في تطوير أفكار الأطفال وساعدتهم على اكتشاف قدراتهم، كما ساعدت على توعيتهم بحقوقهم، مشيرة إلى أنه لا بد من تخصيص وقت خلال الإذاعة المدرسية للعروض المسرحية، كما يمكن إعداد مسابقات لتعزيز مشاركة الأطفال وتنمية روح المبادرة لديهم في كتابة المسرحيات التي تناقش قضاياهم وقضايا المجتمع، وإن أمكن تخصيص حصص لتعليم الأطفال تقنيات المسرح وتوعيتهم بدوره في تغيير وتطوير فكر الأجيال.