السعودية وزعامة العالم العربي
هادي جلو مرعي

تبدو المملكة العربية السعودية في الطريق إلى أسلوب إدارة سياسية مختلفة عن السياسة التقليدية المتبعة على مدى عقود كان العالم فيها محكوما بالقطبية الأحادية، وقد ترسخ الحكم في المملكة بعد الحرب العالمية الثانية مع بزوغ نجم الولايات المتحدة التي حاولت أن تظهر الرياض تابعا لسياساتها العسكرية والاقتصادية، ومواقفها المعلنة من قضايا عدة في الشرق الأوسط دون المساس بالمواقف الثابتة تجاه القضية الفلسطينية التي تمر بمنعطف جسيم هذه الأيام، مع تغيرات كبرى يشهدها العالم، واتفاقيات تطبيع لا تبدو الرياض متحمسة للخوض فيها، ومع شيخوخة النظام السياسي الأميركي، وتعددية الأقطاب المهيمنة على العالم، ومع نضج السعودية وظهور قيادة شابة طموحة تمتلك الجرأة في اتخاذ القرارات في قضايا محل جدل ونقاش كبير كالحرب في أوكرانيا، والمصالحة مع إيران، والتوجه نحو الصين لعقد شراكات جديدة، فإن الأمور تأخذ مسارا مختلفا تماما يشير إلى ظهور قطب عربي يمتلك عناصر الزعامة ليس لضعف دول عربية تقليدية برغم ما حصل فيها من مشاكل، وما واجهته من تحديات، بل لأن المملكة العربية السعودية تمتلك مقومات الزعامة، وتتخذ تدابير سياسية واقتصادية وفكرية تؤكد تقدمها بخطوات بعيدة عن دول شقيقة تعاني الحروب الأهلية، والأزمات الاقتصادية، وسوء التخطيط، وترهل الإدارة، وعدم القدرة على حل مشاكلها الداخلية كما ينبغي، وهي لا تجد القدرة على اتباع سياسة تنموية واضحة لأسباب تراكمت لفترات متطاولة، وصارت سمة غالبة فيها، وأضعفت الأمل في إحداث تغيير حقيقي.
تمتلك المملكة العربية السعودية احتياطيات نفطية هائلة، ولكنها قررت المضي قدما في سياسة تنموية واقتصادية غير تقليدية فاجأت المراقبين من شأنها زيادة حجم الإيرادات من قطاعات غير النفط كالسياحة والزراعة والاستثمار الصناعي، وفي قطاع النقل والتجارة، واستقطاب الشركات الكبرى للعمل في الرياض للمساهمة في نهضة اقتصادية شاملة تمنح قوة مضافة لمركز القرار السياسي، وهو ما تجلى في الموقف من قرار منظمة أوبك التي خفضت إنتاجها من النفط لأكثر من مرة متحدية مواقف معلنة من الغرب والولايات المتحدة الأميركية، وتجلت كذلك في استقبال لافت للرئيس الصيني الذي عقد قمة مع عدد من الدول العربية دون مبالاة من رد الفعل الأميركي والأوروبي الذي أشار إليه عدد من النواب في الكونغرس من الجمهوريين، والذين لفتوا إلى أن إدارة الرئيس بايدن تأخرت كثيرا في ترميم العلاقات مع المملكة، وتسببت في خسارة وتهديد للأمن القومي الأميركي على صعد شتى.
ما من من شك أن التاريخ، وقوة الاقتصاد، ونوع التحالفات، والقيادة الفاعلة من عوامل نهضة الدول، وهي عناصر توفرت لدول عدة عربية وإقليمية، لكن ذلك لم يكن كافيا مع حجم الاستنزاف السياسي والاقتصادي الذي أرهق كاهل تلك الدول، وأضعفها، وحجّم من قدرتها على التأثير في مسار الأحداث، في حين تمكنت الرياض من استدراك جملة تطورات بدت وكأنها تؤثر في قدرتها على تسيير علاقاتها الإقليمية والدولية، وحولتها إلى مكاسب حيوية مستفيدة من تراجع السياسة الغربية وضعفها في مقابل صعود لافت لروسيا والصين ودول البريكس التي تنفلت رويدا من عقال الهيمنة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة وحليفاتها الغربيات، ولا تبدو الدول العربية الأخرى في معرض التأثير السلبي في هذا المجال لثقتها بقدرة الرياض على إدارة الأزمات والتحالفات، ومواجهة التحديات حتى مع وجود نوايا تخالف ذلك، دون الجرأة على التصريح بها، فالمعيار ليس النوايا، بل القدرات، وإذا اجتمعت النية مع القدرة أنتجت التفوق، لكن النية الحاضرة مع القدرات الغائبة لا تنفع في تحقيق المكاسب المرجوة.
---------
* كاتب عراقي
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل