غفرانك قلبي
رشا السرميطي
راوية الأديبة ديمة جمعة السَّمان الصادرة عن دار الجندي عام 2015، جاءت في (223) صفحة لتشكل الجزء الأوَّل من ثنائية أخبرت عنها الكاتبة بعنوان:" هذا الرجل لا أعرفه"، وهذه ليست المرَّة الأولى التي تطرح بها أديبتنا اللون الروائي لتقدم ثروة أدبيَّة للمكتبات الفلسطينيَّة، بل وقد برعت بهذه الرواية كسابق رواياتها، نظرًا لتمكنها من كتابة فن الرواية والمامها بأساسيات نجاحها فقد ضمنت الامساك بالقارئ ليبدأ منذ أول صفحة وينتهي عند آخرها بذات الشوق للمطالعة والمتابعة.

غلاف الديوان جاء بلون أحمر مشتعل وفي ذلك اشارة للنار، وتبع ذلك اللون الأصفر الذهبي الذي يعتبر أيضًا من درجات النار، أربع قضبان سوداء، وطفل ملقى به في النار التي رسمتها لوحة الفنانة المغربية د.أم البنين سلاوي، هذا الطفل المحترق الذي فقد بقية ملامحه، وفقت الكاتبة برمزيَّة وجوده لتصف احتراق الأجيال في نيران أجدادها والأخطاء التي يتمردوا عليها فتغير مجرى الأمور جميعها.
لقد قدمت الأديبة اهداء روايتها لوالدتها، وفي ذلك مدلول على الامتنان من امراة عزيزة على الكاتبة وربما كان بذلك تتويج لامرأة ستكون بطلة روايتها، وهذه ليست المرَّة الأولى التي تسلط بها الأديبة ديمة الضوء على دور المراة وفعاليتها بالمجتمع وهذا ليس غريبًا عنها وهي خير مثال للمرأة الناجحة في دورها المجتمعي والثقافي بمدينة القدس.
ملاحظات عامة أقدِّمها كقارئة للرواية:-
المقدمة كانت ورطة للقارئ عندما كتبت في أول سطر:" غفرانك قلبي رواية ليس لها مكان أو زمان" وهنا يبدأ القارئ بولوج دواليب الفكرة عن رواية لم تحدد لها كاتبتها مكان أو زمان، فترى هل تكون واقعية وشخصياتها مستمدة من حقيقة حياتنا؟ أم أنها مجرد نبض لروائية خصبة المخيلة! وفي ذلك ذكاء للكاتبة بأنَّها وضعت القارئ في حيرة من أمره، ومن هذا الخيط تبدأ في لف الخيوط حوله ليتمكن من حل العقدة، واكتشاف ماهية هذا الغفران. الغفران مشتقة من الفعل غفر، والمغفرة تكون بعد الخطيئة، واقتراف ما لا نسامح عليه، وفي اختيار العنوان نقطة ذكاء أعلى تحسب للكاتبة بحيث يفكر القارئ في كشف سر هذه الرواية وخطأ القلب الذي يتوسل له صاحبه بالمسامحة.
أحداث الرِّواية بدت سرديَّة مشوِّقة ومتينة، متسلسلة تأخذ القارئ بطريقة انسيابية فيتنقل من حدث للآخر، دون فجوات أو انقطاع، تتابعت مجريات الأحداث بطريقة متصلة ومتواصلة حتى في خاتمتها، مهدت لوجود الجزء الثَّاني بعنوان:" هذا الرجل لا أعرفه".
اللغة رشيقة عالية وبها من التعبيرات البلاغية والأدبيَّة ما أعجبني، وهنا أود الاشارة لامتلاك أديبتنا لغة خاصة بها رقيقة وقويَّة تميزت بها في كافة أعمالها السابقة، تقول: "رواية لن تنتهي بانتهاء صفحاتها كلماتها كتبت بالدم والنهار وستبقى شاهدة على الماضي تخلِّد الحاضر وتستقرئ المستقبل". تقول أيضًا:" مشت القافلة تبحث عن لقمة العيش في قلب المجهول تهتدي بخيوط نور ذهبيَّة من شمس بدت معلقة بالأحباب والمسافات تأكل من حجم الحافلة حتى ذابت هامات الرجال وضخامة الجمال في الأفق البعيد".
بدأت ديمة روايتها بالصراع الأكبر بين جيل الشباب وجيل الشيوخ وهو الموقف من القضية وما يحدث للبلاد، وكيفية خروج البعض هربًا من الدم والقتل الذي لطخ من استطاعوا البقاء ولم ينجو إلا قلة منهم، هذه الحرب الشرسة تبدأ بوضع مرسوم اللوم على من تحدثت عنه الكاتبة وقالت: " الخطأ والشعر الأبيض لا يتفقان" لتتابع نبض الشارع الشاب الذي لايرضى بالانتظار وثقافة المشاهد للحديث بدلاً من صناعته.
الأرض حاضرة في الرواية، وقد ربطت ذلك بهوية الانسان وعمله، عثمان وعمران كانا رمزًا لقضية جدلية في التآمر على الأخ وعقوق الوالد في أول صفحات الرواية بعد تلطخ يد عمران بالدم صراعًا على السلطة والقوة، تقول الكاتبة:".. سأبقى هنا أحصد ما زرعنا فهذه الأرض أخذت منا أعز ما لدينا أبانا والعدل والحب الذي بذرنا"، الأرض هي جذورنا وأصلنا الذي لا يصح الانفلات عنه وهذا كان المحور الرئيسي للرواية بكاملها.
الحكمة حاضرة بكثير من بنود الرواية، وقد مررتها الكاتبة برقة على شكل عبارات مستترة بين الجمل، تقول:" الرجال اثنان يا فارس، رجل عقله يعمل ورجل يده تعمل وشتان بين الاثنين".
شجرة الجميز شجرة من فصيلة التوتيات وهي تشبه التين وقد كانت لها دور البطولة في الرواية فقد تكرر ذكرها مع معظم الأحداث الطيبة والمباركة تختص بمن هم من آل سالم، وبذلك دلالة عل أهم الأشجار التي وجدت على الخليقة وربطت الأرض بالانسان.
تتابعت أحداث الرواية واستلبت الأرض والجميزة من عائلة سالم رغم امتلاكه لشجرة العائلة حول كل سكان هذه المدينة وشعابها، وتم تنفيذ أمر البلدية بالمصادرة مقابل التعويض، لبنمت كتمن المرأة مصدر الثقة فقد اختارت الكاتبة الزوجة فاطمة لتحفظ سر مكان شجرة مدينة آل سالم، وفي ذلك دلالة ورمزية لقدرة المرأة على الاحتفاظ بل هي الكانون الذي تستدفئ به العائلة وخصوصًا رب الأسرة.
مما أرهقني في قراءة الرواية كثرة الشخصيات وغزارة الأحداث كولادة بطل للرواية وموت بطل واستبدال الأجداد بالأحفاد ورمزياتهم جعلتني أتيه قليلاً من الكثافة البشرية، إلا أنَّ الرواية جاءت مركزة وقد وفقت الأديبة ديمة جمعة السمان في روايتها "غفرانك قلبي"، مزيد من التألق والنجاح.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين