غزالة رمضان
عبد السلام العابد
في المساء الرمضاني، يطيب له أن يجلس وحيداً، بانتظار موعد أذان المغرب؛ حتى يتسنى له الإفطار، مع أفراد أسرته، بعد صيام نهار صيفي طويل.
يعود بذاكرته إلى رمضان.. أيام زمان. لم تكن بيوت القرية مضاءة بالكهرباء، بل بقناديل وأسرجة، لا تكاد تقوى على طرد جيوش العتمة المتراكمة. صوتُ المسحراتي بطبلته، وأدعيته ونداءاته, كان له وقعُ الموسيقى العذبة، في سمْعه وفؤاده. ذات يوم قال لأمه: أحبُّ سماع صوت المسحراتي، أرجوك أن تنبهيني من نومي؛ لأسمع صوته. لبت الوالدة طلبه، وسمع في الظلام وعلى متن الرياح الشتوية صوت المسحراتي ينادي من طرف القرية الجنوبي: يا غافل، وحّد الله..لا اله إلا الله. ويَتبعُ هذا النداءَ العذب صوتُ الطبلة: طُبْ..طبْ..طبْ.. يا لها من أصوات رائعة، لا يزال صداها يتردد في الذاكرة، رغم مرور السنين.
ويتجمع أفراد الأسرة حول مائدة السحور، ويصلون، ثم يقول الوالد، بعد أن يخفض فتلة السراج: ناموا يا أطفال؛ حتى تزوركم في الأحلام غزالة رمضان. ويحاول الصغار تقليد الكبار، فيعمدون إلى الصوم، ويتحملون مشاق الصبر على العطش والجوع. وقبيل أذان المغرب كانوا يتجمعون، ويراقبون المؤذن، وهو يصعد إلى سطح المسجد، بخطواته البطيئة، فيجلس على كرسي، ويُخرج ساعة الجيب البيضاء, ويراقب عقارب الساعة، ثم يقوم، ويرفع يديه إلى أذنيه، فيما تنطلق أصواتهم بالأناشيد الشعبية الجميلة: ( أذّن يا سيدي..سيدي، بذبحلك جاجي بايدي توكلها وتنام على رف الحمام... ). وتبلغ سعادتنا ذروتها, حينما يرتفع صوت المؤذن لصلاة المغرب، حيث يحين الموعد الإلهي لتناول الطعام والشراب..فينطلق الأطفال إلى بيوتهم، وهم سعداء وفرحون ومستبشرون.
وفي نهارات رمضان، يتحدى الأطفال الصائمون زملاءهم المفطرين, ويطلقون بعض الأناشيد التي تحثهم على الصوم، وتؤنبهم؛ بسبب إفطارهم: ( يا مفطر رمضان، يا مقلل دينك...).
ولصلاة التراويح سحرُها الخاص، وأجواؤها الإيمانية المفعمة بالفرح، ولا سيما في الأيام الأخيرة من رمضان، حيث يشعر الأطفال بالحزن والفرح في الوقت ذاته، فهم يحزنون لقرب فراق رمضان ويفرحون لمجيء عيد الفطر السعيد.
وفي ليالي رمضان الأخيرة، كان الأطفال يتحلقون حول إمام المسجد بوجهه البشوش، وابتسامته المشرقة، ومعاملته اللطيفة والسمحة، ويرددون معه قصيدة شعرية معبرة تبدأ بهذا البيت: لا أوحش الله منك يا رمضان/ يا معدن الخيرات والإحسان.