طقوس غائبة
سما حسن
مدفع رمضان والفانوس والمسحراتي وفوازير التلفزيون المصري ومسلسل الف ليلة وليلة وطبق الطعام الذي يدور من بيت لبيت كلها طقوس غابت عن رمضان ففقد بهجته وحلاوته وحلت مكانها طقوس جديدة لا ترقى إلى تلك التي كانت، ولا تثير بالنفس بهجة ولا تبعث في الروح حياة، بل على العكس فهي تخرج المرء من هذا الشهر مثقلا بالديون ومعتل الصحة.
كنا نجتمع نحن الصغار حين يقترب موعد أذان المغرب ونركض نحو التلة القريبة وننتظر صوت انطلاق المدفع من مكان ما سرعان ما اختفى صوت المدفع؛ لأن سلطات الاحتلال اعتبرته أداة حربية تخريبية ومنعت استخدامه واصبح تحفة وضعت بالقرب من ميناء غزة واستبدلنا صوته بصوت المدفع الذي ينطلق من التلفزيون من أحد البيوت التي يتمتع أهلها بالثراء لدرجة امتلاك تلفزيون من نوع "زينيت" فنركض نحو أهالينا نخبرهم أن موعد تناولهم الطعام قد حان ونغرق معهم في التهام ما جادت به الأرض من خضار وتخلو المائدة من اللحم غالبا ولكنا كنا نشعر بسعادة تكتمل مع أقراص القطايف التي تقليها الأم وتغرقها في السائل السكري "القطر".
وكنا نبحث عن علبة صفيح فارغة من صفائح الزيت أو السمن فنثقبها ونصنع لها بابا عن طريق شق أحد جوانبها ونثبت بداخلها شمعة ونطوف الشوارع ونغني ونهلل قبل أن تغزو الفوانيس الصينية الاسواق وأصبح الفانوس يوضع كتحفة في أحد الرفوف المكملة لديكور البيت يلهو به الصغير قليلا ولا يشعر بشعورنا ونحن نحلق مع" الصفيحة".
وكان المسحراتي يوقظ أهل الحارة كل واحد باسمه يناديه وفي نهاية الشهر تجمع له الهدايا والعطايا وننثر له الدعوات ويتمنى لنا الأمنيات برمضانات قادمة سعيدة.
وكنا نجتمع بعد الافطار لنشاهد التلفاز فهناك مسلسل عربي واحد تعرضه قناة مصرية أو اردنية ويليه فوازير رمضان التي جمعت الشعوب العربية من "فطوطة" إلى نيللي ثم شريهان، ونحلم مع حلقات مسلسل الف ليلة وليلة سواء من خلال التلفاز أو حين يأتي صوت شهرزاد الذي تقوم به الممثلة ذات الصوت الرخيم " زوزو نبيل" من خلال المذياع فتشعر أن صوتها يقدم من التاريخ فنتلهف ونشد بطريقة محببة ونبقى في انتظار حكم شهريار بعد سماعه حكايا شهرزاد.
وكانت أمي تسكب في أطباق صغيرة من الطبق الرئيس وتطلب منا أن نحمله لجارة قريبة ولأرملة بعيدة فنسرع به ساخنا ونسكب بعضه على الرمال، ونتلقف الدعوات من المستقبلات لطبق الخير ونعود فرحين ببضع بيضات من الجارة العجوز أو طبق من الجميز أو التوت فلا يصح أن يعود طبق أمي فارغا.
مرت السنوات وكبرنا وتغير كل شيء وغابت هذه الطقوس وأصبح رمضان زحاما وسباقا في الدعوات والولائم والشراء وتكديس الطعام والتعالي والتفاخر والمباهاة ونسينا الجار واجتماع العائلة ومقابل ذلك دفعنا الثمن من راحتنا وهناء بالنا.