عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 21 كانون الثاني 2023

ذاهبون إلى البحر لنتعلم الغرق

سامر أبو هواش*

أسف عملاق

أنحني بهاتفي الذكيّ

محاولاً تصوير أسراب النمل

وهي تنظم سيرها المزدحم

على طريق سريع

بين بلاطتين؛

من الأعلى

لا يبدو أنها تتجه إلى مكان؛

من الأسفل

لا يبدو أنني أتجه إلى مكان؛

فجأة تخاطبني نملة بأسف عملاق:

لكم أنت حزين أيها الكائن

الذي لا يُرى

إلا بالعين المجردة.

 

ليل

 

ليلي طويل

 

كليل عاشق

ونومي خفيف

كنوم حارس.

في الظلمة التي تعضّني

مثلما تعضّ ضبعة شبلها،

أتوجّس من قفار تدركني

ومن رمال أكنسها بالذكرى.

كم مرة

يضيّع الغريب الطريق

ليجد الطريق

كم سراباً يتوهّم

قبل أن يصل إلى البيت؟

تفسير بقعة سوداء على سقف

 

غيوم تأتي وتمضي

ثم تأتي وتأتي

وتمطر

ثم تمضي وتمضي

ثم لا تمطر

وأنت تجلس وحيداً،

في وحشتك.

في الخارج عالم

يواصل نصب الأفخاخ.

 

صمت

 

الطفل إياه،

صامتاً في المنامات،

يقف قبالتي

وينظر

ليس إليّ

ولكن من خلالي

حيث

لا عينان تصلان.

نظرات الغريب

 

في المركز التجاري، في الشارع، وحتى في المصعد،

تلتفت فجأة

وتجد غريباً ينظر إليك؛

يستمر الأمر ثانية أو اثنتين،

قبل أن ينتهي بابتسامة سريعة

 

متبادلة

أو بكلمة تدلّ على التصالح بعد سوء فهم،

وقد يستمرّ الأمر حتى بعد أن تغادر؛

عينا الغريب تواصلان التحديق بك في المنام.

هواء

 

الأرجوحة لم تعد هنا،

لكنّ يد أبي

ما زالت

في الهواء

الذي هبّ بنا

تحت سماء بعيدة.

نحت الأيام

 

هنا، على هذه الطاولة، أمام هذا الضوء الناقص،

قبل الكلمات وبعدها،

يحدث شيء، كالعادة،

أقلّ من أن يُروى

بأيّ لغة صرفاً

كالحبّ

 

كالألم.

الكلمات، هزيلة، تمضي إلى مصائرها،

هنا، في هذا الهولوكوست الليليّ حيث كلّ شيء عرضة للغبار، أشياء كثيرة تنهض؛

صور، في ذروتها، في ذروة حضيضها، كرة في تحليقها الدائم بين هواءين، تسقط من يديك، وتسقط من عينيك، ثم تختفي.

لا بأس بأن تسميها الذكرى

وتنشغل بنسيانها.

لأنّ كلّ شيء وارد

مثلما يذوب حجر في بئر،

مليارات النظرات الضائعة،

دوماً،

بين مسافتين؛

أحياناً

نظرة

تسقط

من السقف

كأنها شعلة ترتعش،

نكوّر أيدينا على نظرة

كي لا تنطفئ.

هذا نحت الأيام.

نتنقّل بين الغرف، بين ضوء في المطبخ، وضوء في غرفة النوم، حيث أشياء نحسبها عادية، حذاء عند السرير، سرير في لحظة تأمّل، نافذة ساهمة، فرشاة أسنان في كوب زجاجي، قميص ليلة ماضية ملقى على الكنبة، أشياء تنزاح من أماكنها بقوة لمسات لا مرئية، هجرات جماعية تحدث طوال الوقت داخل هذه الجدران الغفل.

ومن يستطيع القول إذن

لا سماء تنمو الآن داخل هذا الدرج،

لا غيوم تزحف

على هذا الجدار،

لا شعوب تولد، وتنقرض،

في ظلّ المشجب الواقف، كتمثال؟

عالم يتكرّر بلا نهاية، وليس مهماً، بعد الآن قياس المسافة بين حياتين، لأنك مهما فعلت لن تستعيد رعشة الطفل في أول يوم مدرسي، ولن تفهم لمسة يد الأم على شعره. لا معجزة تستطيع محو تلك الأمسية أو إعادتها إلى الحياة؛ حياة بأكملها تحتشد في حساء، في لثغة، في لحظة عابرة، في هواء.

كأننا منذ البداية كنا نعرف أن الكلمات مجرد قطار بطيء يقود إلى صمت؛ أمي الآن، في الثلاثين، وأنا في الخمسين، نجلس ونتبادل النظرات، عبر طاولة المطبخ؛

بيننا ستارة قديمة

تتقمّص موجة

بيننا غرفة

تتسلق الصيف

بيننا وردة

تتعلم الأسى.

لم أكن أعرف أنني سأكفّ تماماً عن البكاء.

لم أكن أعرف أيضاً أنني سأقف في كل وقت، أمام كوب مهجور في المغسلة،

أمام لوح زبدة في الثلاجة،

أبكي،

وأبكي

وأبكي

أفتح عينيّ فأرى كل شيء ولا أرى. أمشي طويلاً في صحراء المساء، على آثار أقدام تمحو نفسها، فأصل ولا أصل، وأظلّ أنتظر ولو همسة تعيدني إلى تلك الوجوه التي ضاعت في عتمة المرايا

أبواب تفضي إلى أبواب

ونوافذ إلى نوافذ

ويكفي

أن تشيح بيدك

في الهواء الصرف

لينبت وجه

يلوح ثابتاً كحجر،

ثم يختفي.