حديث مع صور الراحلين

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة- يحاورون الصور، ينتظرون منها ردا، ويريدون الاستماع للصوت القادم من هناك بكبرياء، تحل لحظات الصمت وتبدأ مناورة البكاء الذي لا ينقطع، هي قصة أب وأم مع ذكريات الشهيد الذي غادر مبكرا قبل أن يكتمل الحلم.
يخبرونه عن كم الحب الذي تركه في النفوس ورحل، لكنه زرع في قلبيهما غصة لن تتوقف يوما ما، مدركين في ذاتهم أن على هذه الأرض احتلال لا يعنيه إلا الموت للفلسطيني الذي صنع لنفسه حلما وبدأ يشيده بشخصية الفلسطيني العنيد القادر على عبور أصعب المراحل، لكنه يصطدم برصاص ينتشر في كل مكان مستهدفا فلسطين وأحلام شبابها.
"أهناك بعد الموت وجع"، كلمات يخاطب بها الأسير المحرر عاطف دراغمة صورة نجله الشهيد أحمد الذي ارتقى قبل أسبوعين برصاص الاحتلال في محيط قبر يوسف بمدينة نابلس. هو لا يتحدث مع الصورة بقدر ما يخاطب الذكريات، يتمنى أن يصل الرد بأي حال، لكن بعد لحظات الصمت الطويل لا يمتلك والد أحمد تكرار ما اعتاد لسانه عليه من دعوات والإلحاح بعبارات الرحمة لروح نجله.
يتحدث عاطف مع الصورة مخبرا نجله باحتضان فلسطين له بعد وفاته، ويخبره بالوفاء الذي حضر منذ لحظة استشهاده وما تبعه من أحداث تراكمت على شكل تكريم متتالٍ لإنجازات أحمد في مسيرته الرياضية التي اختتمها شهيدا مع نادي ثقافي طولكرم، فكان الهداف الأبرز في ناديه قبل أن يصبح هو هدفا لقناصة الاحتلال.
يتواصل الحديث مع الروح الراحلة، لضيف الأب الذي لم يفق بعد من صدمة جريمة إعدام نجله "تركنا الحائط كاملا لحكاية أحمد، نحدثه من على الجدار وننتظر الرد الذي لم يأت بعد، للأسف لا مكان لحراسة أحلام أبنائنا في فلسطين في ظل محتل يمارس شهوة القتل كل يوم".
حكايات الموت في فلسطين مختلفة، متشعبة التفاصيل، ويتمم والد الشهيد أحمد أمام صورة نجله بما جاء على لسان الشاعر الراحل محمود درويش "الشهداء لا يتشابهون لكل واحد منهم قوام خاص، وملامح خاصة وعينان واسم وعمر مختلف، لكن القتلة هم الذين يتشابهون، فهم واحد موزع على أجهزة معدنية، يضغط على أزرار إلكترونية، يقتل ويختفي، يرانا ولا نراه، لا لأنه شبح، بل لأنه قناع فولاذي لفكرة، لا ملامح له ولا عينان ولا عمر ولا اسم، هو... هو الذي اختار أن يكون له اسم وحيد: العدو".
الوالدة التي تحفظ الذكريات جيدا، وقفت أمام مجموعة صور لنجلها خلال مشاركاته المتعددة مع ناديي طوباس الرياضي وثقافي طولكرم لكرة القدم، تقص حكاية الهدف في كل صورة، وتروي قصة الفرحة بتقرير في إحدى الصحف يتحدث عن الهداف ولحظة ولادة الحلم الحقيقي لنجلها الذي بات يحلم أن يصبع لاعبا دوليا قبل أن تُكتب له حكاية الموت.
لا يفارق ذوو الشهيد صور نجلهم ويواصلون الحديث الذي لا يقطعه سوى تلك الطفلة التي لم تتجاوز العام ونصف العام من عمرها وهي تشير إلى الصورة قائلة بلغة الأطفال ذات الفهم الصعب "عمو راح".
مواضيع ذات صلة
عرابة: الاحتلال يواصل تجريف أراضِ لليوم الثالث
أم رمزي.. حكاية أم تطعم 50 فردًا بالصبر والعمل
كيسان.. قرية تواجه الاقتلاع والاستيطان
اقتصاد محاصر.. هل تنجح "يلا ع نابلس" في إنعاش سوق فقد 70% من نبضه؟
مجسم "الفاضلية" في طولكرم.. شعلة تروي حكاية العلم والصمود
تصعيد خطير في المسجد الأقصى: عشرات الآلاف يؤدون الجمعة ومحاولات متكررة لإدخال "القرابين الحيوانية"
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!