الفنان ثائر البرغوثي: غنينا سراً في القدس يا ضفتنا ثوري
الحياة الثقافية - رحمة حجة- خاص- في مثل هذه الأيام من عام 1988، كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أوجها، وتمتد من مخيم لمدينة لقرية، تشارك فيها الجماهير الغاضبة على جرائم المحتل، وفي مثل هذه الأيام من ذات العام أيضًا، قررت فرقة "جفرا" إطلاق كاسيت أغان خاص بهذا الحراك الشعبي، يعبر عن طموحاته وآماله بوطن حر ومستقل، فكان عنوان الكاسيت: "دولة".
الحياة الجديدة التقت صاحب الأغنية الشهيرة في الانتفاضة الأولى "نزلوا صبايا وشبان"، ثائر البرغوثي، وحاورته في مجال تجربته، وعن المقاربات والمفارقات بين تلك الأيام والحالية.
والبرغوثي خريج جامعة بيرزيت في الهندسة الكهربائية، لكنه لم يعمل في مجال تخصصه سوى عامين، وحاليًا يشتغل في مجال التعليم والتدريب في تكنولوجيا المعلومات واللغة الإنجليزية.
يتذكر البرغوثي (46 عامًا)، أولى خطواته في الغناء: "بدأت في عمر 8 أعوام، ويعود الفضل الأول لوالدي المرحوم راغب برغوثي؛ إذ كان يكتب القصائد الشعرية والزجل، وأقدمها أنا في مناسبات وطنية وعالمية مختلفة، إلى جانب أغانٍ متنوعة وطنية وشعبية".
وقبل الانتفاضة الأولى بسنوات كانت فرقة "جفرا" قائمة، وهي مختصة بالتراث والفولوكلور الفلسطيني، وجزء من أفرادها يغنون بينما الآخر في مجال الدبكة، تجمع شابات وشبّان، وشاركت في مهرجانات في الضفة وأراضي48.
وواجهت فرقة "جفرا" صعوبات عديدة مع اندلاع انتفاضة الحجارة، خاصة في الحركة والتنقل وأماكن التدريب، نظرًا لأنها فرقة دبكة أساسًا عدد أفرادها كبير وتحتاج لمكان مناسب، بينما كان الأمر بالنسبة لأعضاء الفرق المغنين أسهل لأن عددهم أقل ويمكنهم تسجيل أغانيهم في أي مكان.
كاسيت "دولة"
يقول البرغوثي إن الأغاني التي تضمنها شريط "دولة" من وحي أجواء الانتفاضة، وأتت "منسجمة مع الروح الوطنية وحركة الجماهير في الشارع، كما تعبر عن العمل الوطني ضد الاحتلال"، مضيفًا "أنا فخور بمشاركتي بهذا العمل الذي دام نحو 27 عامًا، إذ لا تزال الأغاني تُسمع جيلًا بعد جيل".
هل هناك فرق بين الـ"دولة" التي غنيتم لها و"دولة" فرقة العاشقين في أغنيتها "اعلنها يا شعبي اعلنها"؟ يجيب البرغوثي: "حاولنا تقديم برنامج سياسي شامل لشعب كامل يعرف أهدافه جيدًا، وهي الحرية والاستقلال وبناء دولة، لذا انخرط
في الانتفاضة، لكن للأسف لم تتحقق على الأرض، بالتالي ليس غريبًا أن يُغنّى لنفس الهدف في فترة لاحقة، وفرقة العاشقين غنت لنفس الدولة، وهي دولة محتلة نطمح أن تكون لها سيادة، ودولة فلسطين المستقلة هي زهرة التاج، وكلمة دولة عبرّت أمس وتعبر اليوم وغدًا عن هدف سامٍ يحلم به كل فلسطيني".
أما عن جو تسجيل أغاني الكاسيت، فكان وفق ما يقول البرغوثي "تم في غرفة صغيرة في أحد بيوت القدس، بشكل سرّي جدًا وسريع لم يتجاوز ساعتين".
وبعد "دولة" أين ذهبت "جفرا"؟ في هذا يقول البرغوثي إن الفرقة استمرت بإحياء المهرجانات والمناسبات الوطنية حتى عام 1990 حين اعتقل عدد من أفرادها، كان بينهم، ومكث عامًا واحدًا في السجن، وعندما خرجوا كانت البلاد تستعد لاتفاق سلام في محادثات مدريد، والانتفاضة إلى نهايتها، فعادت الفرقة (القسم الغنائي فيها فقط) للغناء في موضوعات التراث والفلكلور الفلسطيني في المناسبات الوطنية والأعراس، كما أنتجت أغانٍ منفردة أدّتها في احتفالات ومهرجانات عدة، وهذا استمر حتى عام 2000 حين اندلعت الانتفاضة الثانية".
وفي 2015، لا يزال البرغوثي يغني، لكن في مسرح عرض منفرد، وليس كالسابق، فالمسؤوليات والأشغال زادت، ويقول عن ذلك: "إسعاد الناس غاية وهدف سامٍ سواء من المقربين أو الجمهور، بالتالي الفنان لا يستطيع التخلي أو التنازل
عن الناس الذين يحبون سماعه، وهم حافزه للاستمرار بغض النظر عن صعوبة الظروف".
السياسة والفن
الفنان ذو العينين الزرقاوين، اللتين لا تخفيهما لمعة نظارة طبية شفافة، كان شعره أسود حين غنّى "يا ضفتنا ثوري ثوري"، بلحيته التي يتخللها البياض الآن، وابتسامة لا تزال نضرة، عاش أيضًا السلام ثم الانتفاضة ثم السلام ثم الآن يعيش إرهاصات انتفاضة كغيره من الفلسطينيين، ماذا يقول عن هذه المرحلة؟
يقول ثائر البرغوثي: "ما يجري حاليًا من مواجهات وتصعيد وإن اختُلف على تسميته، هو وضع طبيعي لدولة يعيش شعبها تحت احتلال، فالمقاومة لم تهدأ يومًا، وهي رد فعل طبيعي على كل الانتهاكات والاعتقالات والمستوطنات وجرائم القتل ومصادرة الأراضي التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي يوميًا".
ويضيف: "الفنان هو واحد من الشعب يعيش أحلامه وآماله، لذا فإن أي إنجاز سياسي ينعكس إيجابا على نفسية الفنان ومزاجه، يعبر عنه بطريقته ولغته وإمكانياته الفنية، ويجني ثماره كغيره، وفي المقابل، أي إخفاق أو فشل سياسي ينعكس على عامة المواطنين من ضمنهم الفنانين والفرق الفنية ويستطيع التعبير عن الفشل السياسي بلغة ومزاج مختلف، لكن لنا برنامجا سياسيا نحن مقتنعون به، ولا يزال معنا منذ عام 87، وهو الثوابت الفلسطينية".
وختم البرغوثي حواره مع "الحياة الجديدة" بالقول: "بغض النظر عن أين ذهب الاتجاه السياسي بعد الانتفاضة الأولى، وللأسف فشلت المفاوضات وكانت مضيعة للوقت، ونتائجها ضئيلة جدًا مقارنة مع تضحيات شعبنا، فإن الأمل ما زال موجودًا، وشعبنا قادر على الصمود والاستمرار، والأغاني الوطنية قد تكون عاملًا مساعدًا وأساسيًا في طرح برنامج سياسي وإبقاء شعلة النضال حتى تحقيقه".
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين