«ع البحر» و«فلسطين 87».. ديمومة الحب والمقاومة
أفلام قصيرة، لمخرجين شباب من فلسطين

سليم البيك
يمكن لأفلام قصيرة، لمخرجين شباب من فلسطين، أن تشي بتوجه مقبل في السينما الروائية الطويلة، أو تشير إلى ما يمكن أن يكون أحد انحيازات هذه السينما، باعتبار أن الأفلام هذه مقدمة لأخرى طويلة تنقل ما يمكن أن يكون عبء النضوج في صناعة الأفلام الطويلة، الروائية منها تحديداً.
فيلمان قصيران جديدان، لصانعَي أفلام من جيل لم يخرج بعد إلى الصالات الكبيرة بأفلام طويلة، وما زالا يكتشفان طريقهما في الصناعة الروائية للسينما، منطلقَين من سمات وميزات عُرفت بها السينما الفلسطينية، دون أن تأسرهما، بتراكم تجارب وأجيال سابقة، ومنطلقَين كذلك – وهو سبب اختياري للفيلمين في المقالة هذه – من وعي فني في تناول القصة الوطنية، ومن شكل سينمائي لا يثقل على المضمون السياسي والاجتماعي، وهو ما يفتح باباً للتفاؤل في مشاريع روائية طويلة ربما، مقبلة.
الأول هو «ع البحر» لوسام الجعفري، والثاني هو «فلسطين 87» لبلال الخطيب. كلاهما شارك في مهرجان «أيام فلسطين السينمائية» إضافة إلى أفلام أخرى معظمها وثائقي ومتفاوتة في جودتها، إلا أن الوثائقي منها كذلك، تستحق إطلالة تحاول من خلال الأفلام وهي كذلك لصناع في بداية طريقهم، تلمس المرحلة المقبلة من الإنتاج السينمائي الوثائقي الفلسطيني، وقد تميزت الأفلام هذه بتنويعات مواضيعها وبذاتيتها.
تبين في فيلمَي الجعفري والخطيب نضجٌ في التناول قد لا يسهل تبيانه في فيلم قصير هو ضمن الأعمال الأولى لصاحبه، وذلك في شكل الفيلم ومضمونه. يمكن من خلالهما التطلع إلى سنوات مقبلة في السينما الفلسطينية، كما يمكن الخروج، بالفيلمَين معاً، بتوقعات مسبقَة لهذه السينما.
ينطلق الفيلمان من مكان واحد وزمانين، الضفة، مخيمات ومدناً وقرى، أولهما في زمن الجائحة الصحية الأخيرة، وثانيهما في الانتفاضة الأولى. أولهما للجعفري انطلق في قصته القصيرة جداً، من العلاقة الإنسانية بين شخصيتين، وكان لثانيهما (للخطيب) المنطلَق الإنساني ذاته. حضر الاحتلال في الفيلمين إنما كسياق تاريخي للحظة التي يصورها الفيلم، إنما، وقد ساعد الفيلمَ قصر مدته (12 دقيقة لكل منهما) المنطلَق للقصة كان العلاقة والالتقاء بين مقاوِم مطارَد في الأول، وزوجته، وبين شاب مطارَد في الثاني وامرأة في لقاء طارئ، أمكن له أن يؤسس لعلاقة بينهما. انتهى الفيلمان باللقاء، لقاء كان خفيةً. كان، بصفته المجردة كلقاء بين رجل وامرأة، حبيبين في حالتهما الدائمة أو في حالة تبدأها مَشاهد الفيلم القليلة. هذا اللقاء المواصل للحب أو المؤسس له، هذا اللقاء الإنساني في جوهره، كان أساس كل من الفيلمين، وكان رافعاً لكل منهما في تقديم الإنساني على ما دونه، وفي تهميش الاحتلال بتصغيره وإخراجه من مجال الإنساني، ليكون مطارِداً غائباً وطارئا، ولا ملامح له. في طبيعته المطارداتية سيكون حتماً طارئاً، راكضاً في أمكنة الآخرين، لاحقاً هؤلاء الآخرين محسني الاختفاء، بين البيوت، بيوت الأهالي، في الفيلم الأول وداخل البيوت في الثاني.
يحكي «ع البحر» عن امرأة تعد كعكة، يسليها طفلها في المطبخ، مستغرباً فعيد ميلاده لم يحن بعد. تخرج المرأة أخيراً، ليلاً، لتلتقي بزوجها في عيد ميلاده مقدمة له الكعكة، ولرفاقه المقاوِمين المطارَدين. تعود هاربة من جنود يلاحقون زوجها. أما «فلسطين 87» فيحكي عن شاب في مزرعة دجاج، يهرب من أمامه شباب مقاومون فيجد نفسه لاحقاً بهم، مطارَدين من قبل جنود متعثرين، يدخل بيتاً غريباً فتُخبئه سيدة في الحمام، وفيه تستحم حفيدتها، يقتحم الجنود البيت والحمام وفيه الحفيدة و«شقيقها» (أداء الممثلين في الفيلمين كان عفوياً ولافتاً).
يعكس الفيلمان، من خلال زمنَيهما (والفارق بينهما 35 عاماً) ديمومة الظرف الفلسطيني، في الضفة الغربية تحديداً، في ثنائية السكون والحركة، باختلاف أسباب المفردة الأولى وثبات أشكال الثانية. الإغلاق أو الحجر في البيت، مقابل التحرك ركضاً وتفادياً من اعتقال أو حتى اغتيال. نقل الفيلمان بحساسية بصرية ذلك التفصيل من حياة فلسطينيين دامت على طول السنوات، وميزت تلك الحياة التي نوع الفلسطينيون فيها مقاوماتهم، في زمن «فلسطين ٨٧» وانتفاضة الحجارة، إلى زمن «ع البحر» في مقاومة جديدة أكثر فردية وأقل تنظيمية، باستمرارية تطورت فيها الأساليب لظرف احتلالي هو ذاته. نلحظ تطوراً في طبيعة الملاحقة، في فيلم الجعفري ليلاً وفي فيلم الخطيب نهاراً، ليلاً ملاءمةً لطبيعة النضال المسلح، ونهاراً لطبيعة نضال شعبي، الأول بالرصاص والثاني بالحجارة. هذه كلها متغيرات ظرفية وزمانية، إنما الثابت فيها هي حالة الإغلاق بمختلف تسمياته، وحالة المطارَدة بمختلف أوقاته، وأساساً، حالة المقاومة وديمومتها.
قد لا نكون متأكدين مما يمكن أن يكون عليه فيلم طويل يجعل من أي من الفيلمين مَشاهد فيه، قد يخل الطويل بما امتاز به القصير أو قد يطوره إلى نسخة أنضج وأقوى وبحكاية تطول وشخصيات تُقنع. لكن، والحديث عن فيلمين قصيرين، يمكن اتخاذ «ع البحر» و»فلسطين 87» نموذجاً لما يمكن أن يُبنى عليه فيلم طويل فلسطيني جيد، بأساس يكون مبنياً على الإنسان الفلسطيني، على حميميةٍ لديه، في التقاء بين امرأة ورجل خفيةً عن الاحتلال ورغماً عنه، ليكون الالتقاء بين حبيبين منطلَقاً ومسبباً للمقاومة، ولديمومتها، ليكون الإنسان الفلسطيني محفز الحكاية وفيلمِها.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين