عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 20 حزيران 2026

ندوة في متحف محمود درويش بعنوان "الأشياء، الذاكرة والهوية في الثقافة الفلسطينية والأدب"

رام الله – الحياة الثقافية- استضاف متحف محمود درويش، ندوة ثقافية بعنوان "الأشياء، الذاكرة والهوية في الثقافة الفلسطينية والأدب"، قدمتها الباحثة والأكاديمية الدكتورة كوثر جابر-قسوم، وأدارها الدكتور إبراهيم أبو هشهش، بحضور نخبة من المثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي والأدبي.

واستهل الدكتور أبو هشهش الندوة بتقديم نبذة عن السيرة العلمية والبحثية للدكتورة جابر-قسوم، قبل أن تقدم عرضا تناولت فيه العلاقة بين الأشياء والذاكرة والهوية التجربة الفلسطينية، مستندة إلى "نظرية الأشياء" التي طورها الباحث الأمريكي بي براون، والتي تركز على تفاعلات الإنسان مع الأشياء في الأدب والثقافة، وتبحث في الكيفية التي تتحول بها الأشياء اليومية من أدوات استعمالية إلى حوامل للمعنى والذاكرة.

وأشارت إلى ما يطرحه براون في كتابه الإحساس بالأشياء مستشهدة بقوله: "نبدأ بمواجهة شيئية الأشياء حين تكف عن العمل من أجلنا: حين ينكسر المثقاب، وحين تتعطل السيارة، وحين تتسخ النوافذ، وحين يتوقف جريانها داخل دوائر الإنتاج والتوزيع والاستهلاك والعرض، ولو للحظة"، موضحة أن الأشياء تصبح أكثر حضورا وإثارة للأسئلة عندما تفقد أو تنتزع من سياقها الطبيعي.

وانطلاقا من هذا المنظور، أكدت الدكتورة أن النكبة الفلسطينية لم تكن مجرد تهجير للإنسان من أرضه، بل كانت في جوهرها كارثة مادية شملت فقدان البيوت والأراضي والممتلكات والأشياء المرتبطة بالحياة اليومية. فالفلسطيني لم يفقد مكانه فحسب، بل فقد أيضا عالمه المادي بكل ما يحمله من ذكريات وعلاقات وعواطف، وغالبا ما لم يحمل معه سوى مفتاح منزله الذي تحول لاحقا إلى رمز مركزي للذاكرة والهوية والحق الفلسطيني.

وأضافت أن المكان، بأشيائه ومحتوياته، يحتل حضورا مكثفا في الأدب الفلسطيني بمختلف تجلياته، سواء في أدب الداخل أو الأراضي المحتلة أو الشتات، بوصفه استجابة بنيوية لتجربة الاقتلاع والتدمير. وأوضحت أن الوعي الفلسطيني بالمكان وبالأشياء اليومية المرتبطة بالأرض يحمل شحنة وجودية وسياسية لا تقل قوة عن شحنته العاطفية، الأمر الذي يمنح الأشياء حضورا يتجاوز وظيفتها المادية ليجعلها جزءا من تشكيل الهوية الفردية والجمعية.

ورأت أن شعرية الأشياء في الأدب الفلسطيني تكتسب خصوصية تحليلية استثنائية تستدعي الاستفادة من "نظرية الأشياء" ودراسات الذاكرة والنقد ما بعد الكولونيالي لفهم علاقتها بالسرد الفلسطيني وبناء الهوية الوطنية، وكيف تتحول الأشياء إلى أدوات لاستعادة الماضي ومقاومة النسيان.

واستعرضت عددا من النماذج الأدبية والثقافية التي تجسد هذا الحضور، من بينها قصيدة "البيت قتيلا" للشاعر محمود درويش من ديوان أثر الفراشة، ورواية عائد إلى حيفا للأديب غسان كنفاني وما استلهم منها من أعمال فنية وسينمائية، كما توقفت عند كتاب رأيت رام الله لمريد البرغوثي، ورواية بيوت الملح للكاتبة هالة عليان، بوصفها أعمالا تكشف كيف تتحول الأشياء والبيوت والأمكنة إلى مستودعات للذاكرة الفردية والجمعية، وإلى عناصر فاعلة في نقل الرواية الفلسطينية عبر الأجيال المتعاقبة.

وفي الحوار الذي أعقب العرض، استهل الدكتور أبو هشهش حديثه بالتأكيد على أن "الأدب هو مخزن الذاكرة"، مستشهدا بقول الفيلسوف أفلاطون إن "المعرفة تذكر والجهل نسيان". وتناول التحولات التي شهدتها ذاكرة النكبة عبر الأجيال، متسائلا كيف انتقلت تجربة الجيل الأول من كونها تجربة معاشة إلى رمز ثم إلى أيقونة ثقافية، وكيف يمكن للأدب أن يعيد الحيوية النفسية والسيكولوجية للأشياء التي غابت ماديا عن أصحابها.

وفي ردها، أكدت الدكتورة جابر-قسوم أن الأدب يعبر عن الإنسان وتجربته الحياتية، وأن الذاكرة لا يمكن وصفها بالاصطناعية، لأنها تتشكل وتتجدد عبر السرد والرواية. وأضافت أن الذاكرة تبقى محسوسة وغنية بالتفاصيل، وأن لكل شيء مخزونا من العاطفة والحياة يتجاوز وجوده المادي، وهو ما يمنحه القدرة على استحضار التجربة الإنسانية وإعادة إنتاجها عبر الزمن.

كما تناول المتحاوران عددا من النماذج من الأدب الفلسطيني، ولا سيما أعمال محمود درويش وفدوى طوقان، وكيف عبر كل منهما عن الذاكرة الفلسطينية واستعادتها من خلال النصوص الأدبية، بطرائق مختلفة تجمع بين الذاتي والجمعي، وبين التجربة الشخصية والسردية الوطنية الأوسع

واختتمت الندوة بفتح باب النقاش أمام الحضور، الذين طرحوا مجموعة من الأسئلة والمداخلات حول دور الأدب في حفظ الذاكرة الفلسطينية، وعلاقة الأشياء بالهوية، وكيفية انتقال الرواية الفلسطينية بين الأجيال في ظل التحولات التاريخية والسياسية المتعاقبة.