عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 20 حزيران 2026

أسئلة مطروحة على قارعة الوجع .. كلمة احتفائية

جبر جميل شعث

لم  نرد  لهذه الكلمة أن تكون ذات صبغة نقدية صارمة، نطبق فيها منهجا نقديا نسقيا بأدواته الإجرائية، كالبنيوية أو التفكيكية أو السيميائية، أو حتى ذلك المنهج البنيوي التكويني الذي يدمج بين المنهج البنيوي والسياقي على نصوص الشاعرة أو الناصة خديجة أبو لبدة وإنما أردناها كلمة احتفائية بنتاجها المطبوع الأول لموسوم بـ (في الإبادة حيث يختبيء الشعراء) الصادر حديثا عن دار الصومعة في  المنوفية بجمهورية مصر العربية. ولكن هذا لن يمنعنا من  إضاءة هنا، ووخزة هناك  في نصوص الشاعرة.

ولأن البيوت تدخل من أبوابها وللأبواب عتبات سيكون مدخلنا من العتبة الأولى وهي العنوان: (في الإبادة حيث يختبئ الشعراء) الذي يقرأ أو يؤول على أكثر من وجه الأول: أن الشعراء يختبئون لعدم قدرتهم على وصف ما يحدث من مآس وكوارث الآن؛ كون التعبير باللغة بمستوياتها كافة، تقف عاجزة عن وصف ما يحدث.

والوجه الثاني أن الشعراء يختبئون ويختفون مؤقتا لحين امتصاص الصدمة ومن ثم يكتبون. والوجه الثالث أنهم؛ أي الشعراء، يشعرون بأن الحياة  ألم لا ضرورة له، وعبث لا طائل تحته، وعليه فلا جدوى من الكتابة أصلا، والتواري أو الاختباء في هذه الحال لا يعد هروبا ولا تخلفا عن الفعل الإبداعي،بل هو تعبير عن موقف وجودي من  ظروف الحياة الضاغطة الموحشة التي تبدو خالية من كل قيمة، ومن كل نزعة إنسانية.

أما العتبة الثانية فكانت مقدمة الكتاب، حيث أشارت إلى ما في النصوص من مخاوف وهواجس ورهبة من الآتي المجهول تبدأ من الفوضى المحيطة إلى فوضى الرؤوس ومن تكديس الأسئلة التي لا تنتظر الأجوبة.

في هذه المجموعة التي وسمتها الكاتبة بالنصوص وليس بالشعر ولا نعرف إن كانت الكاتبة قد ساورها شك أو قلق حتى لا تسم كتابتها بالشعر، أو أنها أطلقت الأعم الأشمل على كتابتها وهو النص وكما نعرف فالنص يتضمن الشعر والنثر ونحن اليوم في عصر النص المفتوح أو النص غير المجنس الذي يشتمل على الشعر والنثر بصوره كافة وحتى على تلاوين وخطوط التشكيل.

في نصوص الشاعرة خديجة أسئلة مطروحة على قارعة الوجع والخوف من المصير، وهذا ما نجده في جل ما كتب من شعر ونثر في زمن الحرب في تشابه مثير في الألفاظ والرؤى والأسلوب، ولا عجب ولا نقيصة في هذا فالكل مشترك في هم واحد ومصلوب على خشبة كارثة واحدة. إذن هذه النصوص متشاكلة مع نصوص لكتاب كتبوا في الحرب، وعن الحرب، وهنا نذكر بمقولة البنيويين والتي مفادها أن:  "البنية تأخذ وضع الثبات  لمؤلفين مختلفين في عصر واحد أو ظرف واحد".

ولعل الشاعرة أفلتت من هذا التشاكل حين كتبت عن الحب والمرأة، وكانت تصدر في ذلك عن ذات أنثوية لها خصوصيتها ومساربها التي تسير فيها الأنثى بطمأنينة لا تخلو من حذر وتوجس( نصوص: غاوية، سقطة آدم، أول كتاب، بعث، سطوة،  وغيرها).

أما كون النصوص غير موزونة، فلم تكن هناك حاجة لأن ترهق الشاعرة الشابة نفسها وتركض خلف القافية والروي بحثا عن جرس موسيقي، وكان عليها الاستعاضة عن ذلك بخلق موسيقى داخلية عن طريق انتقاء الألفاظ وتجاور الأصوات وتناغمها (نصا: غاوية، وفي ظل القمر).

وبعد.. هل حققت الكاتبة ذاتها كشاعرة في هذه المجموعة، وهي تجربتها الأولى المطبوعة، نقول لقد تحققت تلك الذات الشعرية إلى حد ما و قد يكون في هذا رضى لها ولنا كمتلقين إلى حين. ولعلنا نقرأ لها في تجارب قادمة نصوصا فيها اختراق وتجاوز، أكثر مما بين أيدينا من نصوص.

قلنا في البداية إننا بصدد الاحتفاء وليس النقد المنهجي الذي ربما لا نكون منصفين إن طبقناه بتجرد على تجربة أولى.

ولكن على الشاعرة المحتفى بها اليوم وعلى غيرها من الكتاب، أن لا يخضعوا  لغواية النشر السريع وينظروا في ما يكتبون مليا، حذفا وإضافة واستغناء.