عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 21 كانون الأول 2022

سنديانة فلسطين وخنساؤها: لا عزاء قبل أن يدفن بين أهله

رام الله– الحياة الجديدة– عبير البرغوثي- رغم أن المصاب جلل والألم بحجم الجبال، إلا أن عطر الصمود فاح في زوايا المكان الذي جلست فيه سنديانة فلسطين وخنساؤها، وهي ترفض التعازي في أسدها المقنع الشهيد ناصر أبو حميد، الذي حاول الاحتلال قتل شجاعته ووأد عنفوانه، ففشل فشلا ذريعا واستعان بالمرض الخبيث ودعمه بالإهمال الطبي المتعمد أو هو بالأحرى القتل البطيء، حتى كسرت روح الناصر القيد وحلقت في سماء الوطن.

في منزل الشهيد المؤقت في حي بطن الهوى في رام الله، وفي يوم إعلان استشهاده، تقول والدة الشهيد لطيفة أبو حميد (أم ناصر) وهي جالسة في زاويتها في غرفة الجلوس المكتظة بالمواطنين والمسؤولين: "لا بيت عزاء.. من دون أن يدفن ناصر بين أهله وعلى أرض وطنه".

الخنساء تستذكر لحظات الزيارة الأخيرة لفلذة كبدها، وتقول: "زرنا ناصر الليلة (قبل) الماضية لمدة نصف ساعة، لم تكن كافية لوداعه، وكان في حالة نزاع واحتضار، لكنه كان يشعر بوجودنا، قرأنا له القرآن وودعناه وغادرنا الغرفة التي كان فيها، وكانت أشبه بثكنة عسكرية بتواجد مكثف من الضباط والجنود الإسرائيليين. لقد أخضعوا أفراد الأسرة لتفتيش دقيق".

في ظل الوضع الصعب الذي تعيشه عائلة الشهيد، لم نتمكن من إجراء المزيد من المقابلات مع باقي أفراد العائلة لوضعهم النفسي والمعنوي الصعب، ولكن علمنا أن شقيق الشهيد ناصر رزق مؤخرا بمولود ذكر سماه "ناصر أبو حميد". استشهد ناصر وولد ناصر جديد سيسير على خطى هذه العائلة المناضلة.

في لقائنا مع السنديانة الشماء، شعرنا أن دموعها ترفض النزول رغم صعوبة الألم والفقد، وكأنها ترفض البكاء حتى تودع ابنها الشهيد وتطمئن بأنه دفن في أرضه وبين أهله، وهنا تقول: في الزيارة ما قبل الأخيرة لناصر، قال لي: "يا إمي لا تبكي، نحن كلنا مشاريع شهادة، وأنا أريد أن ألتحق بأخي الشهيد عبد المنعم الذي استشهد عام 1994".

وفي تفاصيل أخرى، ذكرت والدة الشهيد معلومة خطيرة أخبرها إياها الراحل قبل الرحيل، ابنها الشهيد ناصر، الخامس بين أبنائها، قائلة: "إنه لم يصب بالمرض، إنما تم حقنه به من خلال إبرة أفقدته الوعي، وهذا ما قام به ضابط إسرائيلي عندما تأكد من هوية ناصر، وما يؤكد أنه تم اغتيال الشهيد".

لا يخلو بيت فلسطيني من حكاية من سجون الاحتلال، ولا توجد أسرة إلا وكان لها نصيب من عذابات السجون وقيود السجان ضد أحد أبنائها، فمن بين كل خمسة أفراد، هناك فرد على الأقل تعرض للاعتقال من قبل الاحتلال، مئات الآلاف من خيرة شباب وزهرات فلسطين حاولت قضبان الظلمة أن تقتل فيهم الأمل والحياة، وثمن الصمود غال، والبقاء على قيد النضال وطريق الحرية يتطلب الصبر والإصرار، وعبر هذا الطريق، بذلت الحركة الأسيرة، ومنذ عقود، الغالي والنفيس من داخل الأسر، وبالتفاف شعبها من حولها، لتبقى منارة الضمير الفلسطيني.

وهذه الأيام، تشتد الضغوط والهجمة على الأسرى، لتتفاقم حالات مرضية، بسبب التعذيب والإهمال المتعمد، ولتودع الحركة الأسيرة، ومن حولها شعبها الصامد، الشهيد تلو الشهيد، بسبب الموت البطيء والتعنت في الاستجابة للضغوط الدولية والمحلية بحماية حياة الأسرى. هي ضريبة الانتماء للوطن، وسط تجاهل سلطات الاحتلال للمواثيق الدولية والاتفاقية الدولية التي تنص على حماية الأسير باعتباره إنسانا يدافع عن قضيته.

اليوم، نحن نعيش فقدان أحد أبرز قادة الحركة الأسيرة ناصر أبو حميد "51 عاما" من مخيم الأمعري في رام الله، الذي استشهد في مستشفى "أساف هروفيه" نتيجة الإهمال الطبي في سجون الاحتلال بعد إصابته بمرض سرطان الرئة نتيجة تعرضه لجريمة طبية من قبل إدارة سجن عسقلان، تمثلت في عدم التعامل مع الاضطرابات الصحية التي بدأ يعاني منها منذ أكثر من عام، ونتج عن ذلك تدهور على حالته الصحية، ولم يخضع حينها لفحوصات طبية جدية، كما لم يقدم له العلاج اللازم.

الشهيد ناصر أبو حميد كان ضحية سياسات سلطات سجون الاحتلال القائمة على الاستهتار واللامبالاة وعدم الأخذ بتوصيات الأطباء حول حاجته للمكوث في مستشفى والخضوع لجملة فحوصات، حتى تبين بعد عدة أشهر أنه مصاب بمرض سرطان الرئة/ الجهة اليسرى.

550 أسيرا، منهم 18 أسيرا يعانون من الإصابة بالسرطان والأورام بدرجات متفاوتة، آخرها حالة الأسير الشهيد ناصر أبو حميد، هذه الحالات تم توثيقها بعد تفاقم أوضاعها، لكن الخطورة تكمن أيضا في عدم إجراء الفحوص الطبية اللازمة، وفقا للجهات المعنية بمتابعة قضايا الأسرى، وهذا سببه "سياسة القتل البطيء، أخطر السياسات التي تنتهجها إدارة سجون الاحتلال بحق الأسرى، لما تحتويه من أدوات كثيفة تستهدف من خلالها الأسرى جسديا ونفسيا.