عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 13 كانون الأول 2022

"ذكرى مبدع".. تطل على الرحلتين الصعبة والأصعب لفدوى طوقان

نابلس- الحياة الجديدة- بشار دراغمة- هي فدوى طوقان الحاضرة بسيرتها الذاتية المليئة بالصعاب، غيبها الموت وظلت ذكراها حاضرة تنبض حياة في كل يوم، وفي الذكرى الـ20 على رحيلها كانت تفاصيل حياتها وافرة في معمل تشخيص أدبي دقيق، لكل ما عايشته وروته في كتابها "رحلة جبلية رحلة صعبة" و"الرحلة الأصعب".

كان الإجماع على الإبداع والمعاناة حاضرا، بينما حضرت وجهات نظر متعددة حول الظروف المؤثرة في تطور مسيرتها الشعرية، مع إجماع على دور شقيقها إبراهيم طوقان الذي كان عاملا حاسما في نقلها من الأمية إلى عالم الشعر.

وتناول أدباء ونقاد وشعراء خلال ندوة "ذكرى مبدع" التي عقدتها مؤسسة محمود درويش بالتعاون مع جامعة النجاح الوطنية وبلدية نابلس أمس في مدرجات الشهيد ظافر المصري في الجامعة، الكثير من تفاصيل حياة فدوى والظروف الصعبة التي عاشتها في بدايات مسيرتها الشعرية.

افتتح الندوة، فتحي البس مدير عام مؤسسة محمود درويش مشيدا برسالة فدوى وما حملته من هم وطني على مدار 86 عاما عاشتها في ظروف مختلفة، مستهلا حديثه بقول فدوى " كفاني أموت على أرضها

وأُدفن فيها

وتحت ثراها أذوب وأفنى

وأُبعثُ عشبا على أرضها

وأُبعثُ زهرة

تعيثُ بها كفُّ طفل نمته بلادي

كفاني أظلُّ بحضن بلادي

ترابا

وعشبا

وزهرة

قال البس، إن فدوى بثت مشاعرها الإنسانية عبر إبداع خاص بها، فقدمت شعرا تمرد لاحقا على قواعده الصارمة.

وبحسب البس فقد شكل شعر فدوى طوقان أساسا قويا للتمرد والاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية والحث على مقاومة الاحتلال، مضيفا "التمعن في عناوين دواوين فدوى يكشف عن وجع لازمها والجهد الذي بذلته ليعلوا صوتها على الجراح.

أسلوب البساطة والسهولة في شعر فدوى كانت النقطة المركزية في حديث الدكتور عبدالخالق عيسى، الذي ألقى كلمته ممثلا عن رئيس جامعة النجاح، قائلا "شعر فدوى رغم بساطته وعنايته بالسهل إلا انه سجل حافل فيه صدق الإحساس وعراقة الماضي وهو منهج فني، ويتماهى منهجها مع أبي العتاهية والبحتري وغيرهم من الشعراء العرب".

سامي حجاوي، رئيس بلدية نابلس وصف فدوى وشعرها بالإرث الثقافي الكبير، بصفتها أول شاعرة امرأة في فلسطين، جابت أشعارها العالم، قائلا" فدوى هي امتداد لإبراهيم طوقان بما يمثله هو الآخر من تاريخ مشرق للثقافة الفلسطينية".

موضحا أن الشعراء محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد كانوا يأتون لزيارة فدوى، لما مثلته من تجربة ملهمة في الشعر الفلسطيني فكانت حالة بنفسها.

الناقد الدكتور عادل الأسطة تحدث عن السيرة الذاتية لفدوى طوقان وجاء جاء في كتابيها "رحلة جبيلية.. رحلة صعبة" والرحلة الأصعب، مؤكدا أنه دون قراءة السيرة الذاتية لفدوى طوقان لا يمكن فهم أشعارها.

ووصف الأسطة سيرة فدوى طوقان التي خطتها بالعمل الإبداع مضيفا "أخبرتني فدوى أن د.إحسان عباس قال لها إن كتاب سيرتها الذاتية هو أعظم سيرة ذاتية في القرن العشرين".

وعن تفاصيل حياة فدوى قال د. الأسطة إن الراحلة كانت فدوى تشكو من أهالي نابلس كثيرا، ولم يكن أحد يكترث بفدوى أو يهتم بما تقوله في السبعينات.

أضاف "حين كانت تقرأ أشعارها على معلماتها لم يكن يعجبن بأشعارها وكن يتهمنها أن إبراهيم هو من يكتب لها الشعر، لكن فدوى اتهمتهن بضحالة التفكير، وهذا كتبته في سيرتها الذاتية".

وأشار الأسطة إلى ما ذكرته فدوى من أن أهالي مدينتها يلجؤون إلى السخرية الجارحة، وهذا ما دفعها إلى العزلة حتى أصابتها حالة مرضية.

وحول طبيعة أشعارها قال الأسطة إن أي نظرة في أولى عناوين المجموعات الشعرية لفدوى توضح أن شعرها ظل يتمحور حول ذاتها، بينما حثها كثيرون على الخروج من موضوع الذات في أشعارها، حتى أن أبوها طلب منها أن تكتب الشعر الوطني وذلك بعد وفاة أخيها إبراهيم، بينما هي استنكرت ذلك لأن صلتها بالعالم الخارجي كانت معدومة.

وبين الأسطة أن عقدة الأب عند فدوى طوقان كانت واضحة، ولم تحزن عليه إلا بعد إبعاده، وحين توفى ابوها افتقدته، لانه هو من كان يحميها من تدخل الاهل بها.

وعند تحول فدوى إلى الشعر الوطني غضب الإسرائيليون من الشاعر الفلسطينية الراحلة وأطلقوا في صحافته وصف "آكلة الكبد" على فدوى، لأنها تمنت أن تكون مثل هند بنت عتبة، وقالت أنها تعبر عن معاناتها من الاحتلال.

الشاعر د. المتوكل طه وصف فدوى طوقان بأمه الروحية، عاتبا على عدم وجود متحف لفدوى طوقان وشقيقها إبراهيم في نابلس حتى الآن. قائلا "رد الجميل ضرورة لإبراهيم وفدوى"

قال المتوكل طه إن "فدوى مثلها مثل كل المبدعين الذين يرحلون، لكنهم لا يموتون تماما، ويظل موتهم مجازيا، بالتالي أحس بروح فدوى مثل غيمة فوقنا الآن".

وعن تفاصيل حياتها ومعاناتها قال المتوكل طه "فدوى الطفلة ابنة الصف الخامس، التي رأوها تأخذ وردة من طفل آخر حجزوها وأخرجوها من المدرسة ووضعوها في "الحرملك" ولاقت هناك ما لاقت من المعاناة، ووالد فدوى عندما أبعد كان عمر فدوى 5 سنوات، والأهل كانوا يتعاطوا مع البنت بكثير من الإهمال، بالتالي هذا لم يكن يتعلق بفدوى بشخصها على وجه الخصوص، إنما ينسحب على كل بنات جيلها".

وحول المحطات الجوهرية التي انتجت فدوى الشاعرة قال المتوكل طه "لولا إبراهيم لما أصبحت فدوى شاعرة، لقد أطلعت على كل رسائل إبراهيم طوقان التي بعثها إلى فدوى، فهو من أوقد جمرة الشعر لديها، وهو من علمها بداية من الأبجديات من النحو والصرف والعروض وتصحيح الإيقاع وغيرها من الأساسيات".

وتحدث المتوكل عن الرسالة الأخيرة من إبراهيم لفدوى والتي كانت في العام 1938، حيث خطابها "شقيقتي فدوى الشاعرة". أي أنها بدأت الشعر بالشكل الصحيح بعد ثماني سنوات من المتابعة من قبل إبراهيم.

أما المحطة التالية التي كانت جوهرية في حياة فدوى الشاعر فقال المتوكل "ذهاب فدوى إلى لندن في نهاية الخمسينيات شكل لها صدمة حضارية، عندما ذهبت هناك وهذا لم تكتبه كثيرا في مذكراتها، كان هناك أكثر من 100 مسرح في حي المسارح، ولم تكن في البداية تفهم الحوار بالشكل الصحيح إلى أن تمرست اللغة واتقنتها"

حينها كانت أوروبا تعجب بالفكر التنويري وهذا شكل لها عامل شذب كثيرا من شخصيتها وتخلصت من الكثير مما يجب أن تتخلص منه.

وختم المتوكل حديثه بالقول "قبل وفاة فدوى اعطتني 17 قصيدة وطلبت عدم نشرها إلا بعد وفاتها وقد كنت وفيا للوعود، واحدة منها هجاء للمرحلة المعتمة من حياتها وهي في "الحرملك" تكشف فيها ما لاقته من اهمال، هذه القصائد وهي غير مضمنة في كتابها، أضاءت جانبا جديدا من شخصية فدوى طوقان الشاعرة.