رسائل " ألبير كامو "

كان الروائيُّ و المفكرُ الفرنسي " البير كامو " ( 1913 ـ 1960 ) قد كتبها خلال فترة الإحتلال النازي لفرنسا ، و هي مهداةٌ بمجملها الى روح شاعرٍ و كاتبٍ فرنسي إسمُهُ " رينيه لينو " ، الذي كان ناشطاً في المقاومة الفرنسية ضد الإحتلال فألقى النازيون القبض عليه و أعدموه . و تأتي رسائل ” كامو“ هذه بمثابة تكريم لذلك الشاعر المقاوم الراحل ، و كان قد كرّمَهُ من قبلُ بكتابة مقدمةٍ لمجموعتِهِ الشعريةِ التي نُشرت بعد موته .
رسائل الى صديق آلماني
إلى رينيه لينو
كنتَ تقول لي : ( مجد بلادي ليس له ثمن . كل شيء يهون من أجله . و في عالم لم يعد له معنى ، هؤلاء مثلنا ــ نحن الشباب الألمان ــ لهم ألحظ بأن يجدوا ذاك المعنى في قدَر أمتهم ، عليهم أن يضحوا بكل شيء من أجله ) . كنتُ أحبك ، ولكن... هنا افترقت عنك . ( لا.. ، كنتُ أقول لكَ لا يمكن أن أعتقد بأنه يمكن خدمة هدف نسعى إليه بكل شيء . هناك وسائل لا يمكن غفرانها . و أنا ، أريد أن أتمكن من حب بلادي مع حبي للعدالة ، في الوقت ذاته . لا أريد لها أي مجد مصنوع بالدم و الأكاذيب . أريد لها أن تعيش في ظل العدالة ) . قلت لي : ( إذاً ، أنت لا تحب بلادك ) .
كان ذلك قبل خمس سنوات ، و منذ ذلك الوقت افترقنا . أستطيع أن أقول أنه لم يمر يومٌ واحدٌ من هذه السنين الطويلة ( الوجيزة جداً و الساطعة بالنسبة لكم ) إلا و عبارتك كانت في ذاكرتي : ( أنت لا تحب بلادك ) ، حين أفكر اليوم في هذه الكلمات شيءٌ ما يعتصر في حلقي . لا.. ، لا أحبها إذا لم يكن يعني الحب ، أن تلغي ما هو ليس عادلاً في ما تحب ، إذا لم يَعنِ أن نسعى أن يكون محبوبنا على الصورة الأكثر جمالاً التي رسمناها عنه . قبل خمس سنوات من هذا ، كان أناسٌ كثرٌ في فرنسا يفكرون كما أفكر . على الرغم من ذلك ، وجد بعضهم نفسه أمام العيون السوداء الصغيرة الإثنتي عشر للقدَر الألماني . هؤلاء الرجال ، الذين لم يحبوا بلادهم ، كما تعتقد ، عملوا لأجلها أكثر مما لن تفعله أبداً لأجل بلادك ، حتى و لو كان بإمكانك أن تعطيها حياتك مائة مرة . لأنهم قهروا أنفسهم أولاً ، وهنا تكمن شجاعتهم . غير أني أتكلم هنا عن طبيعتين للمجد وعن تناقضٍ عليّ أن أوضحه لك .
سنلتقي قريباً ، إذا كان هذا ممكناً : إلا أن صداقتنا ستكون قد انتهت . ستكون طافحاً بهزيمتكم و لن تشعر بالعار من نصركم القديم ، ستندبه أكثر من كل قواك المحطمة . اليوم ، ما زلتُ قريباً منك بالروح ، صحيح أني عدوك إلا أني ما زلت صديقاً لك لأني أمنحك كل أفكاري . غداً سينتهي كل شيء . نصركم لن يستمر ، هزيمتكم تقترب . على أي حال ، قبل أن ندخل في اللامبالاة وعدم الاكتراث ، أريد أن أترك لك فكرة واضحة ، بأنه لا السلام و لا الحرب جعلاك تتعلم من مصير بلادي .
أريد أن أقول لك ، حالاً ، أي نوع من المجد يجعلنا نبدأ السير . ولكن ، عليك أنت أن تقول أي شجاعة نصفق لها نحن ، شجاعة لا تملكها أنت . شيء لا أهمية له أن تعرف اقتحام النار و أنت تتهيأ لذلك منذ أمد بعيد . و عندما يبدو لك السباق طبيعياً أكثر من الفكر . بالمقابل ، إنه لعظيم أن يتقدم المرء نحو التعذيب و نحو الموت ، حين يعلم علم اليقين أن الحقد و العنف أشياء عبثية بذاتها . إنه لعظيم أن يقاتل و هو يحتقر الحرب ، أن يقبل ضياع كل شيء و هو يقبض على طعم السعادة . و أن يركض نحو الدمار و هو يحمل فكرة حضارة متفوقة . لذلك نحن نجهدُ أكثر منكم ، لأن لدينا ما نؤاخذ به أنفسنا ، و ليس لديكم ما تقهرونه في قلوبكم و لا في فكركم . كان لدينا عدوان ... و النصر بالسلاح وحده لا يكفينا مثلكم فأنتم ليس لديكم ما تتغلبون عليه .
كان لدينا الكثير لنتغلب عليه ، ربما كي نبدأ الإغواء الدائم حيث نشبهكم ، مادام هناك دائماً فينا شيء متروك للغريزة ، لاحتقار الفكر ، لتقديس القوة ، تفضي فضائلنا الكبرى لإضجارنا ، يشعرنا الفكر بالعار و نحن نتخيل أحياناً بعض الوحشية السعيدة حيث تكون الحقيقة بلا جهد . ولكن حول هذه النقطة .. الشفاء سهل : أنتم تشيرون علينا ما يكون عليه الخيال من ذلك ، و ها نحن ننهض من جديد . إذا كنت أؤمن ببعض الحتمية للتاريخ ، لربما افترضت أنكم بجانبنا خَدَماً للفكر ، فمن أجل ردنا للصواب ، عندئذ تعود إلينا الروح التي نكون فيها أكثر سعادة .
لكن ، ما زال علينا أن نتغلب على هذه الريبة و نحن نتمسك بالبطولة . أعلم أنك تظننا غرباء على البطولة . إنك مخطىء . ببساطة ، نمارسها و نرتاب منها في آن واحد . نمارسها لأن عشرة قرون من التاريخ علمتنا الأشياء النبيلة . نرتاب منها ، لأن عشرة قرون من الفكر علمتنا فن ما هو طبيعي و مزاياه . و لكي نمثل أمامكم ، وجب علينا أن نعود من بعيد . و لأجل هذا ، نحن متأخرون عن أوروبا اللاهثة وراء الكذب فيما كنا نحن نبحث عن الحقيقة . لأجل هذا ، ابتدأنا بالهزيمة ، فيما كنتم تنقضّون علينا ، كنا نبحث في قلوبنا فيما إذا كان الحق في جانبنا .
كان علينا أن نقهر مَيلنا للإنسان ، الصورة التي صنعناها لأنفسنا عن مستقبل سلمي ، هذا الاعتقاد الراسخ بأن ثمن أي نصر لا يعوض ما دام أي تشويهٍ للإنسان هو تشويهٌ لا عودة عنه . كان يجب علينا أن نتخلى في آن عن علمنا و عن أملنا و عن دواعي الحب و عن بغضنا للحرب . كي أقول ، كل هذا في كلمة واحدة ، أفترض أنك ستفهمها ، كلمة آتية مني ، أنا الذي كنتَ تحب أن تصافحه ، بأنه : وجب علينا أن نكتم شغفنا بالمحبة .
الآن كل هذا اكتمل ، كنا بحاجة إلى عودة طويلة ، نحن متأخرون جداً . إنها العودة إلى الفكر التي صنعها شك الحقيقة ، إنها العودة إلى القلب التي صنعها شك المحبة . هذه العودة هي التي أنقذت العدالة ، و وضعت الحقيقة إلى جانب الذين يتسألون دفعنا ثمنها غالياً ، دون شك ، دفعناه بالإذلال و بالصمت ، بالمرارة ، بالسجن ، بصباحات الإعدام ، بالهجران ، بالفراق ، بالجوع اليومي ، بالأطفال النحيلين ، و زيادة على ذلك العقوبات الجبرية ، إلا أن كل هذا كان طبيعياً . كان يلزمنا كل هذا الوقت ، كي نرى إذا كان يحق لنا أن نقتل الإنسان ، إذا كان يحق لنا أن نضيف بؤساً لبؤس هذا العالم . و هذا الوقت الضائع المستعاد ، هذه الهزيمة التي قبلناها و تجاوزناها ، هذه الشكوك المدفوعة بالدم ، هي التي تعطينا الحق اليوم ، نحن الفرنسيين ، بالاعتقاد بأننا دخلنا هذه الحرب بأيدٍ نظيفة ــ نظافة الضحية و المهزوم ــ و بأننا سنخرج منها بأيدٍ نظيفة ، لكن هذه المرة نظافة النصر الكبير ضد الظلم و ضد أنفسنا نحن .
سنكون المنتصرين ، إنك لا تشك بذلك . ولكننا سنكون منتصرين بفضل هذه الهزيمة نفسها ، بفضل هذه المسيرة الطويلة التي جعلتنا نجد حجتنا ، لهذه المعاناة التي شعرنا بها بالظلم و أخذنا منها الدرس . تعلمنا فيها سر كل نصر ، و إذا لم نفقده ، سنعرف النصر النهائي . تعلمنا فيها نقيض ما كنا نعتقده أحياناً ، الفكر لا يستطيع عمل شيء ضد السيف ولكن حين يتحد الفكر بالسيف فإنه المنتصر الخالد . لأجل هذا ، قبلنا الآن بالسيف بعدما تأكدنا أن الفكر معنا . و قد لزمنا لأجل هذا ، رؤية الموت و المخاطرة بالموت ، لزمنا لذلك النزعة الصباحية لعامل فرنسي يمشي إلى المقصلة ، في أروقة سجنه ، حاضاً رفاقه ، من باب لباب ، لإظهار شجاعتهم . لزمنا في النهاية ، من أجل أن نستحوذ على الفكر عذابُ الجسد . لا نملك إلا ما دفعناه ، دفعنا غالياً و سندفع أيضاً ، ولكننا نحمل ثقتنا ، أسبابنا ، عدالتنا : هزيمتكم مقبلة لا محالة .
لم أؤمن أبداً بقوة الحقيقة بذاتها . ولكني على يقين بأنه في حال امتلاك الحقيقة و الكذب قوة متعادلة فإن الحقيقة هي التي تتغلب . توصلنا إلى هذا التوازن الصعب . نقاتل اليوم استناداً إلى هذا الفرق . و سأسعى لأن أقول لك بأننا نقاتل بالضبط لأجل هذه الفروق ، إنها فروق لها أهمية الإنسان ذاته . نقاتل من أجل الفارق الذي يفصل التضحية عن الوهم ، و الطاقة عن العنف ، و القوة عن القساوة ، لهذا الفارق الدقيق الذي يفصل الخطأ عن الصح ، و الإنسان الذي نأمله عن الأرباب القذرة التي توقرونها .
هذا ما كنت أريد أن أقوله لك ، ليس فوق العراك ، ولكن من داخل العراك ذاته . بهذا أردت أن أرد على ( أنتم لا تحبون بلادكم ) التي ما زالت تطاردني . غير أني أريد أن أكون واضحاً معك . أعتقد أن فرنسا أضاعت قوتها و سيطرتها لوقت طويل و يلزمها لوقت طويل صبرٌ يائس ، ثورة حذرة كي تجد حصتها من الفتنة الضرورية لكل ثقافة . غير أني أعتقد أنها أضاعت كل هذا لأجل أسباب نظيفة . و لأجل هذا ، لم أفقد الأمل . هذا هو كل معنى رسالتي . هذا الإنسان الذي رثيتَ ـــ منذ خمس سنوات ـــ تردده اتجاه بلاده ، هو نفسه الذي يريد أن يقول لك ولكل هؤلاء من عصرنا في أوربا و العالم : ( أنتمي إلى أمة رائعة ، مواظبة رغم ركام أخطائها و ضعفها ، لم تفقد الفكرة التي صنعت كلَ مجدها ، يبحث شعبها دائماً و مثقفوها دون توقف للتشكل من أفضل إلى أفضل . أنتمي إلى أمة تستأنف منذ أربع سنوات تاريخها و التي من بين الأنقاض تستعد بهدوء و بثقة لأن تعمل تاريخاً آخر و أن تجرب حظاً في لعبة دون ورقة رابحة ، هذه البلاد جديرة أن أحبها حباً صعباً ، متطلباً كحبي . و أعتقد أنها تستحق الآن أن نناضل من أجلها لأنها جديرة بحب كبير ، على النقيض من أمتك التي لم يكن لها من أبنائها إلا الحب الذي تستحقه ، الحب الأعمى . لا يمكن تسويغ أي حب لأجلها ، هذا ما جعلك تخسر . أنت الذي كنت مهزوماً في انتصاراتك الكبيرة ، كيف سيكون حالك في الهزيمة التي تتقدم ) .
تموز 1943
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة : ” عماد موعد ” مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 93 / شتاء 1997 .
مواضيع ذات صلة
القراءة بوصفها إعادة اكتشاف للذات
لطفية الدليمي وداعا.. رحلة بحث مستمرة عن الإنسان
"أصابع الحنين".. أناشيد الحب والحرب
اختيار الفنان والسينمائي الفلسطيني الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
هند جودة تقشر اللغة في "سقوط رداء الحرب"
"عين الزيتون".. روح مقاومة ومأساة لا تدوم
محمود شقير .. "أمي في زمن التحولات"