عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 16 تشرين الثاني 2022

آخر نحاسي القدس

القدس المحتلة-الحياة الجديدة- رامي الخطيب- في أسواق القدس العتيقة، وفي سوق الخواجات تحديداً تشتم عبق التاريخ في طرقات وأزقة باتت محلاتها التجارية مغلقة لندرة زائريها، حيث أكثر من (76) محلاً تجارياً لم يتبق سوى بضعة محلات لبيع الأقمشة والنحاس، تمسكت بأصالة المكان وقدم جذوره التي تعود لأكثر من 800عام.

 كان "أبو العبد" النحاس بانتظارنا ليعبر عن غصته فيما آلت إليه الأوضاع في هذا السوق، وما وصلت إليه مهنة النحاسة التي باتت على شفا الانقراض.

يعتبر الحاج محمد عبد الجواد آخر نحاسي البلدة القديمة والقدس بأكملها، بعد عمله فيها مع والده لأكثر من (25)عاماً، بينما رفض أولاده العمل بها.

وبينما ينتظر الحاج محمد أحد المارة أو السياح أن يذهل بمقتنياته الثمينة ليشتريها، يستعرض لنا بداية اكتشاف النحاس في العصر النحاسي 600 سنة ق.م، ونقطة بداية مهنة النحاسة حين استخدم الإنسان قديما الأواني والملاعق والكؤوس والأباريق النحاسية، كما استخدم النحاس في الأدوات الحربية كالسيوف والخناجر لتي باتت تزين المتاحف التراثية. وأضاف: "لم يقتصر الأمر على الاستخدامات المنزلية للنحاس بل بات وسيلة علاجية، بعد توصيات الأطباء لمن يعانون من (الروماتيزم) بوضع الأساور النحاسية على أيديهم، إضافة لشرب الماء بالكؤوس النحاسية لمن يعانون من آلام في المعدة".

وبينما يقوم بتبيض إحدى المقتنيات النحاسية، سأله أحد المارة: هل أنت نحاس؟ هل ما زلت تصلح البوابير؟ فأجابه مبتسما:"طبعا بصلح". وأكمل: "كان هناك سوق كامل للنحاسين في القدس المحتلة قديما لكثرة الطلب عليه، ولكن الآن بات النحاس "ديكورا" في البيوت يوضع بزوايا المنزل كنوع من أنواع التراث والزينة.

ولم يندهش آخر نحاسي القدس من السؤال بسبب تكراره يومياً من قبل المارة، مضيفا: "مهنة النحاس ما بطعمي خبز، وأعمل حالياً كحارس في المسجد الأقصى المبارك منذ 22 عاما والحمد لله، وكباقي أصحاب المحال التجارية بالقدس نعاني من ضرائب الاحتلال الإسرائيلي وعربدة المتطرفين كون سوق الخواجات محاذياً للحي اليهودي الذي أقيم على أنقاض حارة الشرف، ويقتصر عملي اليوم على تجميع قطع النحاس وإصلاح البوابير في موسم الشتاء من شهر أكتوبر وحتى شهر فبراير".

ولا يخفي عبد الجواد غصة قلبه لأن من يهتم بشراء القطع النحاسية القديمة المصنعة في البلاد العربية والإسلامية في يومنا هذا هم من اليهود والأجانب، وقلة قليلة من الفلسطينيين، ويضيف بحسرة: "راح يجي يوم ونندم على التفريط في تراثنا ومقتنياتنا، لأنه اللي بروح ما برجع والدليل على ذلك أبحاث الإنترنت، حيث يعرضونها في المزادات الإلكترونية خارج فلسطين بأسعار خيالية، ثم يقومون بتزويرها بإضافة كتابات ورموز أجنبية وعبرية لينسبوها إليهم".

وفي الوقت الذي يتراكض فيه الاحتلال إلى تسويق نفسه وتثبيت روايته، وحيازة ما لا يملكه من مقتنيات تراثية نحاسية فنية وينسبها إليه كما يحاول نسب المكان والزمان والتراث وحتى الطعام، يدعو أبو العبد كل من لديه قطعا نحاسية أن يحتفظ بها ويحافظ عليها وألا يفرط بها لتبقى تراثا حيا يكشف أصالة المقدسي والفلسطيني وارتباطه بأرضه.

*هذه المادة تنشر ضمن متطلبات مساق "الكتابة الإعلامية" في جامعة القدس المفتوحة