عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 11 أيلول 2022

للساكوت في الذاكرة مكانة لا تمحى.. فهل يمحوها الاحتلال؟

طوباس والأغوار الشمالية- الحياة الجديدة- عاطف أبو الرب- الساكوت، ونبع الساكوت ساكنة في ذاكرة الأجيال التي عاصرت النكسة وما قبلها، فهي كما غيرها من الينابيع الطبيعية شكلت مصدرًا للخير الوفير، فكان مزارعو الأغوار الشمالية وطوباس يعتمدون في معظم زراعاتهم على هذه المياه، وأقاموا القرى والتجمعات الزراعية على امتداد نهر الأردن. والساكوت منطقة للشرق من عين البيضاء في الأغوار الشمالية، تمتاز بخصوبة أراضيها، واختصها الله بعين غزيرة المياه.

بعد سنوات من احتلال عام 1967، أغلق الاحتلال آلاف الدونمات على طول الحدود الفلسطينية الأردنية، وكانت الساكوت ومحيطها من بين الأراضي المغلقة. ولا أنكر أنني لم أكن أعرف أية قيمة لهذه المنطقة رغم مروري من فترة لأخرى في الشارع، وكنت أقرأ شواخص مرورية على الشارع تحمل اسم الساكوت. ذات يوم طلب مني عمل تقرير عن الأراضي المغلقة في الأغوار، فاستضافني مصطفى فقها في بيته، وكان يومها رئيس مجلس قروي عين البيضاء.

في بيته القديم وسط بلدة طوباس كان فقها يقيم متنقلاً بين طوباس وعين البيضاء. هناك زرته، وكان في المضافة رجل اعتقد أنه فارق الحياة وارتحل إلى الدنيا الآخرة، قبل أن يكتب له رؤية عين الساكوت، وإطفاء عطشه من مائها كما كان يحلم. يومها بدأت أدرك ماذا تعني الذكريات لأصحابها، ومدى ارتباطهم بالمكان والزمان. أذكر أن ذلك الشيخ استطاع حرف اهتمامي، فبدل أن أعمل المادة الصحفية عن الأغوار، وتأثير إغلاقها على المواطنين، والتبعات الاقتصادية للإغلاق، قررت يومها الكتابة عن علاقة ذلك الرجل بالساكوت، وكان حلمه أن يرتشف من مياهها النقية العذبة ولو لمرة واحدة، وأكد أنه على يقين أنها ما زالت تجود بالماء، رغم أنه لم يتمكن من زيارتها، لكنه كان على يقين بأن الساكوت ما زالت تعطي الماء النقي العذب.

مرت أيام، وسنون، وبعد نضال قانوني، تمكنت السلطة الفلسطينية، تمثلها محافظة طوباس من استعادة الساكوت وبعض الأراضي المغلقة، بعد أن أعلن جيش الاحتلال أنها لم تعد مناطق عسكرية مغلقة، وسمح للمستوطنين بزراعة مساحات كبيرة من أراضي الأغوار. حيث شكل ذلك حافزاً للأهالي والمؤسسات للمطالبة بالعودة لأرضهم، لزراعتها. وقد كان لي شرف الدخول الأول لأراضي الساكوت بعد أن فتحها الاحتلال أمام أصحابها.

حاول المشاركون حراثة بعض المساحات في خطوة رمزية لاستعادة الأرض، ورفع البعض الأعلام الفلسطينية احتفالاً بهذا الحدث، فيما تسلل أحد المسنين إلى منطقة عين الساكوت، التي يحيط بها نبات القصب، وجثا على ركبتيه، والتقط حجراً صغيراً، وأطرق سمعه وألقى الحجر بهدوء وحس مرهف، وقال: ما زالت العين مليئة بالمياه، صوتها واضح، وبقي على ركبتيه بعض الوقت، وكأنه يستعيد حبلا من الذكريات، التي مر عليها أكثر من أربعين سنة في ذلك الوقت.

اليوم استعيد هذه الذكريات وأنا أتابع مجريات الأمور وممارسات الاحتلال في محيط الساكوت وعينها الجميلة، بسبب ما تتعرض له من اعتداءات، بعد أن أغلق الاحتلال العين ومحيطها، ووضع الأسلاك الشائكة حولها، وحذر أصحاب الأرض من دخولها، فيما وضع شواخص تشير إلى عزم المستوطنين ومن خلفهم ما تسمى سلطة حماية الطبيعة التابعة للاحتلال إقامة منتجع سياحي للمستوطنين في الموقع.

عما يجري في الساكوت بشكل خاص، وفي الأغوار بشكل عام، وما تتعرض له ينابيع المياه من اعتداءات قال مسؤول ملف الاستيطان في محافظة طوباس والأغوار الشمالية معتز بشارات: قال لم يكتف الاحتلال بسرقة العين وإغلاقها، بل بدأ المستوطنون بإقامة مظلات في الموقع، بهدف تحويله إلى منتجع سياحي لصالح المستوطنين، واعتبر أن ما يجري هو التفاف على قرار قضائي سابق صادر عن محاكم الاحتلال، وتسليم الاحتلال لأراضي الساكوت لأصحابها قبل سنوات.

الناشط في رصد انتهاكات الاحتلال ومستوطنيه في الأغوار عارف دراغمة قال: منذ سنوات وبعد أن أغلق الاحتلال معظم أراضي الأغوار تحت بند الاستيطان الزراعي والرعوي، إلى جانب المناطق العسكرية المغلقة، وحجة المحميات الطبيعية، بدأ في السنة الماضية وما قبلها يركز اهتمامه على الينابيع، حيث استهل اعتداءاته على عين الحلوة في منطقة المالح في الأغوار الشمالية، فحولها إلى منطقة سياحية لصالح المستوطنين، وحرم الفلسطينيين من الاقتراب منها، وخلال عمله في فرض السيطرة على عين الحلوة، بدأ إجراءات مماثلة في منطقة الساكوت على الحدود الأردنية، حيث بدأ بإقامة أسلاك شائكة حول عين الساكوت، فيما بدأ المستوطنون ضخ المياه لأراض في المنطقة بهدف زراعتها، وتقدر المساحة التي يزرعها المستوطنون الآن بما يزيد عن 1300 دونم، مزروعة بالأعشاب الطبية، لصالح مستوطني مستوطنة مخولا، ومستوطنة شدموت مخولا. هذا إلى جانب تركيب مضخات لنقل مياه الساكوت لمناطق استيطانية بعيدة.

وفي الآونة الأخيرة صعد الاحتلال من إجراءاته في محيط الساكوت، حيث أقام بوابات، وبدأ بتركيب مظلات، وعمل برك سباحة، وكل هذا لخدمة الاستيطان والمستوطنين. وأكد دراغمة أن ما يجري يهدد بحرمان الفلسطينيين من زراعة أراضيهم والدخول إليها.

جدير بالذكر أن هناك إجراءات مماثلة، وإن كانت بطيئة في هذه المرحلة في مناطق العوجا التي تعتبر من أجمل المناطق، خاصة أنه تخترقها جداول مياه معظم أيام السنة، وهي محط أنظار المستوطنين. ويخشى المراقبون من أن يتمكن الاحتلال من فرض حقائق على الأرض تحرم الفلسطيني من الوصول لأرضه، أو التمتع بطبيعتها، كما يخشى مراقبون أن تكون هذه الإجراءات لضم الأغوار بصورة نهائية لكيان الاحتلال.