في البيت وما حوله للشاعر العراقي عبود الجابري
صدام الزيدي

يفتتح الشاعر العراقي المقيم في الأردن، عبود الجابري، مجموعته الشعرية "في البيت وما حوله"، الصادرة حديثًا عن "الدراويش" للنشر والترجمة، كاوفبويرن ـ ألمانيا، بسطر واحد يقول فيه: (ليس في كتاب الجروح صورة واحدة لخنجرٍ نادم)، ثم تتوالى نصوص محتشدة بالجراح والارتطامات، كتبت بلغة شعرية تتخذ من البيت محورًا لكتابة تذهب بعيدًا في الأنحاء، وتوغل في ذاكرة مليئة بالفقد والأحزان: (منذ عشرين عامًا/ وأنا بلا أُمٍّ/ وليس مهمًا أن أذكر/ إني بلا أبٍ أيضًا/ الحنين يشبه عصفورين يتقاتلان/ على آخر حبة قمح/ في الأرض).
بأسلوب يتكئ على الحفر الدؤوب في صحراء واسعة من الهموم والمكابدات، يقدم الجابري نصًا منكسرًا منذ العتبة الأولى، يملأه بمشاهدات مقهورة تندفع في السياق، لكن المفاجأة دومًا تكون في المفارقات الجميلة التي تنقل النص من الركون إلى الشكوى، إلى فضاء مغاير يطبع النصوص بالابتكار الشعري غير المتوقع: (كان له بيت/ تعولُ فيه الأغاني القديمة/ وترقص فيه الأفاعي/ لذلك قضى عمره/ يسأل الله عن الناي).
وتمضي نصوص المجموعة مدونةً لرحلة يقودها الشاعر، إلى نهايات تكاد تكون جميلة برغم صعوبة الترحال عندما تتفجر القصيدة حممًا وبراكين، في حياة تتوالى يومياتها "بلا موسيقى"، لكن الرحلة تفضي إلى جمال الإبداع الشعري المختلف: استمرار جذوة الشعر في دم الشاعر وفي آفاقه البعيدة.
"طريق العودة إلى البيت تجعل القلب في كل مرةٍ يخفق، إذ يتحسس الشاعر جيوبه فيجدها فارغة من النقود"
وفي سبيل مواصلة المشوار، يعود الشاعر، بين فترة وأخرى، ليتأكد من أن يومه الجديد أصبح واقعًا فعلًا، ولم تعد منغصات الحياة قادرة على إيقاف النبض في جسد يمضي بثبات ومخيلة تفتح فضاءات جديدة لا تلتفت لكبوات الزمن العنيدة، لكن طريق العودة إلى البيت تجعل القلب في كل مرةٍ يخفق، إذ يتحسس الشاعر جيوبه فيجدها فارغة من النقود، وهو إذ يفعل ذلك، إنما ليتأكد هل ما زالت في الجيب مؤونة تطمئن الروح المأخوذة بالشعر أن الأمور ستكون على ما يرام فور وصوله. وهكذا تتصارع المنغصات في دروب ملغومة بالتشظي ومفارقات حياة مضنية تقتطع من روح الشاعر، ومن حيرته التي بلغت حدًا لا حيلة سحرية يمكنها نفض الغبار عنها، أو إزالة القليل جدًا من ضبابها وغموضها.
كيف عبرت المحيط؟
(لا أفعل شيئًا يا كولومبوس/ وما أفعله ليس سوى تجوال بائس/ في أطلس مليء بالبشر المصابين باليأس/ واستراحات قصيرة/ في المقاهي التي لم يعد يرتادها أحد/ لم أعد أتحدث إلى أحد/ ولم يعد أحد يفكر بمحادثتي/ لذلك هربت من لساني/ ونمت في صحائف الموتى).. الشاعر هنا، بينما يواصل رحلته الشعرية، يستدعي أسلافًا قدامى ليسوا بالضرورة من أرضه وبحره، وليسوا من مشاهير البلاد واللغة اللتين ينتمي إليهما.. إنه استدعاء مغامر يعبر عن سأم من الجغرافيا القريبة ومن الحياة برمتها، وشغف جريح يسافر بعيدًا، عابرًا المحيطات ليكتشف مآله الغامض المرهون بالقصيدة، لا بشيء آخر، وقد دفعته ليعنون نصًا بـ"كولومبوس".
"كتب الشاعر رسالة إلى "كولومبوس"، (يقول له فيها بصيغة غير مباشرة: خذني معك لأكتشف عوالم جديدة أتحدث فيها إلى الناس ويتحدثون إليّ)"
وفيما يبدأ بشرح واقعه الممل، وحالة البؤس التي تغلف الناس في كل مكان يذهب إليه، فهو يبتكر أسماءً لمشاهير، ونحو ذلك، من ضمنها "كولومبوس" نفسه الذي لا يعرف الشاعر كثيرًا من تفاصيل سيرته، ولا يدري هل كان له أولاد، أم لا، وإن كان له أولاد، فما الذي تركه لهم ليقتاتوا به في غيابه الطويل. وبالتوازي مع ذلك، ينجز الشاعر رحلات (ضاق بها البيت وما حوله) تطفئ في النهاية جمرة محترقة في أعماقه. ولهذا كتب رسالة إلى "كولومبوس"، (يقول له فيها بصيغة غير مباشرة: خذني معك لأكتشف عوالم جديدة أتحدث فيها إلى الناس ويتحدثون إليّ)، يبوح فيها بقهره من الواقع على طريقة من نالهم ما نالهم من تشظي الحياة، فباتوا لا يدرون أين هم، وأي وجهة عليهم أن يسافروا إليها، في ظروف يومية قاهرة لا تسمح لهم بأي رحلة على البر، أو على الماء؟... وإذ يعترف الشاعر أنه يغوص في (أطلس) مليء بالبشر التائهين، وأن المقاهي شبه المهجورة لا تمنحه إمكانية أن يتحدث مع الناس، فكل الأمكنة فارغة من أي بشر برغم تواجدهم فيها، وهنا يتحدث الشاعر عن رحلة أنجزها في مخياله الشعري، فهو المكان الوحيد الذي يوفر له فرصة ليكتب إلى أحد أشهر الرحالة والمستكشفين في التاريخ الإنساني. وفي سياق القصيدة، يسأل "كولومبوس" عن تعويذاته وأدعيته ومغامرته العظيمة: كيف استطعت عبور المحيط ووصلت سالمًا، بينما أنا في زمن التكنولوجيا والتطور، وبعد قرون من زمنك، فعلت كل ما في وسعي في الحياة، لكنني دومًا أجدني وحيدًا في منفى بوسع المحيط، فلا أحد يهتم لأمري، ولا أحد يفكر في الحديث معي. ومن بين ما سرده الشاعر قوله إنه ذات مرة التقط حجرًا ليخيف به كلبًا مسعورًا في الطريق، لكن الكلب لم يخف، ولم يهرب، واكتفى فقط بتحريك ذيله، كما لو أنه يسخر من حماقته، وهنا تحضر المفارقات في الواقع المرير وانعكاساته على تفاعلات الناس مع من حولهم، الناس الذين باتوا غرقى في محيطات مجهولة، يزعمون أنهم يعيشون مع بعض، ويتحدثون إلى بعض، بينما هم في الحقيقة أبعد عن بعضهم بعضًا. ولأن مستوى الغرق في هموم الحياة وصل حدًا كارثيًا، فليس ثمة أحد ليتحدث مع الشاعر، أو ليرد حتى على تحية صباحية قالها لجاره: "كيف تسير حياتك؟"، الذي، عوضًا عن أن يرد عليه، تذكر (الجار)، على الفور، أنه نسي عكازه في البيت، وبالتالي عاد إلى البيت ليحمل عكازه ضاربًا بالتحية في حائط من الفراغ المدوي، وغير مكترث بالأمر، إذ هو مشغول بعذاباته وهلوساته، ويرحل عميقًا في بؤسه وشجونه ومكابداته التي تتكرر مع كل يوم جديد، وتزداد انفلاتًا بتقادم الأيام.
تقع مجموعة "في البيت وما حوله" في 72 صفحة متضمنةً 24 نصًا، وهي مجموعة مقتصدة من حيث عدد النصوص والمساحة الورقية، وتأتي بعد مجموعات شعرية سابقة صدرت للجابري، نذكر منها: "فهرس الأخطاء"؛ "يتوكأ على عماه"؛ "متحف النوم"؛ "فكرة اليد الواحدة"؛ "تلوين الأعداء"، و"أثرٌ من ذيل حصان".
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت