عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 02 نيسان 2022

يافا وأمّي

رانية فهد*

 سرت بجسدي رعشة أيقظتني، بل زقزق لها كياني كلّه مثل عصفور يغرد فازددت عشقاً للكتابة، عندما جاءتني خاطرة الكتابة عن مدينة يافا، مسقط رأس أمي التي فارقت هذه الدّنيا قبل عام وبقيت يافا، سيدة عرائس البحر، أسيرة على شاطئ البحر الجميل، فإذا بدموعي تسبقني ولكنني لم أتردد ؛ لأنني شعرت بحاجة ماسة لاقترب من قلب أمي الذي لا زال يحتويني كلما طرق الأسى أبوابي، ويبعد عنّي أنفاس القهر التي لا تخلو منها حياة البشر، فهي وإن رحلت جسداً، فهي كائنة في القلب والفكر والوجدان بتلك الصورة المؤطّرة على جدران غرفة الجلوس.

وبالعودة إلى يافا مسقط رأس أمّي التي لها حقّ في قلمي وفي أنفاس حروفي في حركاتها وسكناتها، ولها أن تركب السطور وتحلّق ماجدة في آفاقي؛ لم لا ؟  والقراءة تسكنني والكتابة تستوطن قلبي....  وأردفت قائلة: اسم يافا هو اسمٌ كنعانيٌّ يعني الجميل أو المنظر الجميل، وهي من أهمّ المدن الفلسطينيّة التاريخيةٌ التي تقع على ساحل البحر المتوسط حيث الطبيعة الخلابة والهواء النقيّ ، كما يمرّ من أراضيها نهر العوجا حيث تنتشر بساتين الحمضيات والأشجار على جانبيّ النهر ممّا أضفى على تلك المنطقة موقعاً رائعاً وفريداً يأتي إليه السكان للاستمتاع بالمناظر الخلابة...

  تبعد يافا عن مدينة القدس حوالي 55 كم من جهة الغرب، وتبعد عن بيروت مائتي كيلو متر، وضعف هذه المسافة تفصلها عن الإسكندرية، وذكر بعض المؤرخين أنّ المدينة قد سُميت على اسم (يافت) وهو أحد أبناء نوح الذي بنى المدينة بعد انتهاء الطوفان، أمّا أقدم تسجيل لاسم يافا فهو كان باللغة الهيروغليفية والتي تعود لعهد الفرعون تحتمس الثالث.

 أسّسها الكنعانيون في الألف الرابع قبل الميلاد، وقام الاحتلال الإسرائيليّ بالاستيلاء عليها وطرد سكانها في نكبة عام 1948م التي شكّلت هزّة مدمّرة للشّعب الفلسطينيّ ، وقد أدى ذلك إلى تشريد هذا الشّعب من أرضه، ونقله من حياة السعادة والدلال إلى حياة البؤس في المخيمات والمنافي، وتمتد طويلا هذه المدينة الساحرة، من حي العجمي جنوبا، إلى آخر حي المنشية شمالا، هذا الحي الذي طمس المحتلون منه مساحة كبيرة منه، بطول كيلو متر شمال جامع حسن بيك الشهير، وهذه المسافة على ساحل البحر يظنها البعض جزءا من تل أبيب، بعد أن أخفى المحتلون كل ملامح المعمار العربي في هذا الحي العريق من أحياء يافا. في سنة 1948 ارتفع عدد سكان هذه المدينة إلى ما يقارب مائة وعشرين ألف نسمة، منهم جزء كبير من الأشقاء العرب، الذين جاؤوا من شتى أقطار الوطن العربي للعمل في فلسطين، حيث كانت التجارة متطورة في فلسطين، وكانت الزراعة أيضا متميزة في فلسطين وخاصة زراعة البرتقال، التي كانت تستوعب أيدي عاملة كثيرة في مجال قطف البرتقال ونقله الى الميناء وتحميله على ظهر السفن التي تنقله إلى دول كثيرة.

وتحتلّ مدينة يافا موقعاً تجاريّاً متميّزاً لوقوعها على مفترق طرق المواصلات بين القارات الثلاث آسيا وأوروبا وإفريقيا فهي إحدى البوابات الفلسطينيّة، ويعتبر ميناؤها من أقدم موانىء العالم، والذي يعود تاريخه إلى أكثر من أربعة الآف عام، وتمّ إغلاق هذا الميناء أمام السفن الكبيرة في سنة 1965 بعد إنشاء ميناء اسدود الكبير

وأعود لأمّي طفلة يافا المدلّلة ، صبية رام الله، وعاشقة القدس، أمي لاجئة فلسطين،  بالأمس، في ليلة من ليالي الشتاء بعد نهار قصير، وبعد غياب الشّمس بثلاث ساعات، إذ الليل قد تقدم وأرخى سدوله وأسدل ستائره وعمّ سكونه النّاس، كنت أغزل أفكاري في رأسي حائرة مذعورة شاردة صامتة صمتًا يأخذني بعيداً، ويعرض عليّ ذكرياتٍ طويلةٍ، يمرّ بها على مواقع صدمات الفرح والحزن التي تستوقفني، اخترقت صمتي رسالة، فردتني بشيء من الخوف إلى واقعي، إلى ذلك اليوم البعيدالذي حدّثتني أمّي عنه وفيه تشردت مع أسرتها ...   إلى يافا التي غادرتها أمي قسراً وبمشهد مؤلم جراء النكبة التي أدت إلى تشريد الشّعب الفلسطينيّ ... أجل ،  شردت أمي في تلك النكبة  مع عائلتها المكونة من جدي، ذلك الرّجل الثّري الذي كان يمتلك مصنعاً ضخماً، وجدتي الجميلة، وأولادهما الأربعة الذين أنجباهم في يافا ،  وكانت جدتي أيضاً حاملاً بمولدها الخامس في شهرها التّاسع، وكان هذا هو الدافع الأساسي لهجرة العائلة بسبب خوف جدي على زوجته الحامل في شهرها التّاسع وهجرة الأطباء أيضاً،  بعد أن قُصفت أحياء يافا بالمدافع القويّة من قبل الصّهاينة، لقد هجرت العائلة بشاحنة كبيرة كان من المقرر أن تتجه إلى مادبا بحثاً عن ملجأ،  ولكن بسبب خلل في الشاحنة تمّت الهجرة إلى رام الله،  تاركين وراءهم كلّ شيء ظناً منهم أنهم سيعودون قريباً إلى مدينتهم الغناء ...

في رام الله واجهت الأسرة اللاجئة مصاعب جمّة،  منها عدم تقبل ذلك اللاجئ من أهلها أنفسهم،  واضطرت للإقامة في جمعية المكفوفين عند أخت جدي، وهناك وضعت جدتي ابنتها الخامسة ليلى في هذه الجمعية ... والمفارقة المؤلمة في تبدّل الأحوال من ذلك الجد الثري الذي يمتلك مصنعاً للأسرّة إلى رجلٍ  فقير يتوسد  البلاط جراء ذلك التّشريد ....

عانت الأسرة الأمرّين في توفير المأكل والملبس لأطفالها،  إذ روت  لي أمي أنهم كانوا ينامون وهم يبكون من شدة الجوع ... وبعد أن وضعت جدتي طفلتها الخامسة خرجت للعمل في مركز الحليب التابع لوكالة الأمم المتحدة التي أسسها المجتمع الدولي لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين " الأونروا "؛  لكي توفر الحليب لأطفالها وأصبح جدي بائعاً متجولاً لتوفير القوت لأطفاله ولأمي ابنته البكر المدللة التي أرادت من أبيها أن يوفر لها العيش الرغيد ... يوفر لها البحر الذي تسبح فيه ... يوفر ويوفر ، ولكن دون جدوى ومن خلال عمل جدتي براتب زهيد أظن دينارين قامت بتسجيل أمي المتفوقة أكاديمياً في مدرسة راهبات مار يوسف التابعة لمدرستها السّابقة في يافا ... وماذا أقول بعد ! ؟

آهٍ ، ما أصعب ذلك الضياع ، بل تلك الهجرة التي تقودني إلى الاستشهاد بما قاله شاعر المقاومة محمود درويش في ديوانه ( لماذا تركت الحصان وحيداً ) : إلى أين تأخذني يا أبي

إلى جهة الرّيح يا ولدي ... تعبيراً عن حالة الضياع وعدم الاستقرار ...

وأردفت : بالرغم من الصعوبات الجمّة والهجرة القسّرية التي واجهت ذلك اللاجئ الفلسطينيّ ، إلا أنك بمثابرتك وحلمك الواعد أيها اللاجئ  لم تتخلّ ولن تتخلى عن حلمك ودأبك ... نعم، عاد جدي إلى مهنته المحببة لديه وعمل كشريك في مصنع أسرّة لشركة معايعة.. .وعادت أمي تلك الطفلة المدللة إلى ذلك السؤال الملحاح لتقول لجدي : أريد أن أسبح في البحر ...    

فيا قلمي ارسم لأمّي أجمل الذكريات...

لم لا ؟ وقد قررت أن أكتب الكثير عن أمّي طفلة يافا ، أمي كأمهاتكم وأنا مثلكم، ولكنني أكثر اطلاعاً على سيرة أمي ، سوف أسأل خالتي مرة أخرى عن اسم مدرستها في يافا، وعن أسماء مدرساتها هناك، وعن زميلاتها هناك.....، وعن اسم الحيّ والشّارع الذي كانت تسكن فيه، وعن مباهج الأعياد هناك التي حدثتنا عنها الشّاعرة الفلسطينية فدوى طوقان في قصيدتها الشهيرة (مع لاجئة في العيد ) :  

أترى ذكرت مباهج الأعياد في (يافا) الجميلة؟

أهفت بقلبك ذكريات العيد أيام الطفولة؟

إذ أنت كالحسون تنطلقين في زهوٍ غرير

والعقدة الحمراء قد رفّتْ على الرأس الصغير

والشعر مسندلٌ على الكتفين، محلول الجديلة؟

إذ أنت تنطلقين بين ملاعب البلد الحبيب

تراكضين مع اللّدات بموكب فرح طروب

طوراً إلى أرجوحة نُصبت هناك على الرمال

طوراً إلى ظل المغارس في كنوز البرتقال

والعيد يملأ جوّكن بروحه المرح اللعوب؟

*شاعرة فلسطينية تعيش في رام الله