عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 حزيران 2015

في هموم الإبداع..

أحمد دحبور

يؤثر عن الرئيس الأمريكي التاريخي ابراهام لنكولن، انه هرع ذات يوم الى استقبال الكاتبة الامريكية هنرييت بيشر ستاو، وقال مرحبا: استقبلك بوصفي رئيس البلاد وبوصفك الكاتبة اللامعة مؤلفة "كوخ العم توم" ولم تكن تلك الاريحية الرئاسية بفضل الموروث الليبرالي في الغرب وحسب، بل بسبب قوة الحضور الذي احدثته الكاتبة السوداء، وما فتحت به عيون العالم على ولادة ما يسمى أدب السود، اذ يؤرخ احيانا لولادة هذا الادب العادل، برواية الكاتبة السوداء التي اسست بروايتها الخالدة، ما يمكن ان يسمى أدب الاحتجاج الاسود.

والواقع ان شخصية الأدب الراديكالي، انما تشكلت في لحظة فذة شهدت نضج التجربة لانتاج هذا الادب، ونضج المجتمع لاستقبال ذلك الادب، وقد يأتي الشطر الثاني من المعادلة اي نضج المجتمع، متأخرا نسبيا، وهذا طبيعي اذا وضعنا في الاعتبار ان الادب الراديكالي ينتعش ويزدهر على ايدي مبدعين رواد يكونون سابقين في مجتمعاتهم للثقافة السائدة، ولعل اوضح مثال على ذلك في ثقافتنا العربية المعاصرة، ظاهرة أدب المقاومة الفلسطينية الذي احدث ما يشبه زلزال الفرح الفني في المشهد الثقافي العربي.

كان ممكنا لهذا الادب، ادب المقاومة، ان يستريح عند مشهد احتفالي، تزفه تلك الحماسة التي ابداها الجمهور لهذا النوع الجديد من الكتابة، ولكن ما حدث كان ابعد من ذلك واعمق، فقد أخذت لحظة الحماسة لهذا النتاج الراديكالي، ابعادا تجاوزت الفرح الفني الى نوع من التطابق بين المستوى الذاتي للكاتب الملتزم وبين القضية التي يلتزم بها، حتى اصبح مألوفا ان نشهد عبارة "الشاعر الشهيد" و"الكاتب المناضل" وما الى ذلك من لغة احتفالية تحتفي بالادب الملتزم، وقد دخل في قاموسنا شبه الشعبي تعبير ادب المقاومة، ولان الامر على هذه الدرجة من السخونة والحماسة، فقد نشأت عناوين تفصيلية في هذا الشأن، مثل "الشعر المقاتل" و"بالدم نكتب لفلسطين" و"ارتقاء الحبر الى مرتبة الدم" وهو ما استدعى حالة من التريث في التقويم الحماسي واطلاق الاحكام النقدية لاعتبارات ليست فنية خالصة، اذ تدخلت فيها الاخلاق الوطنية والقومية، حتى اصبح ضروريا ان نصغي الى من يقرع جرس التنبيه، فالالتزام حكم اخلاقي مجيد ولكنه لا ينوب عن المستوى الفني، بل ان هذا المستوى الفني يتحول، اذا اخلصنا لعلم الجمال، الى شرط لقبول الادب الملتزم بما يليق به من مغزى انساني، على ان ذلك لا يؤتي ثماره ما لم تكن اللحظة الفنية ناضجة، حتى برز من يقول – ومعه الحق في ذلك – ان الفن الرديء يهزم الجبهة التي ينتمي اليها، بل ان التسمية ذاتها ملتبسة، اذ ان عبارة "الأدب الرديء" تخرج هذا الادب المزعوم من حقل الادب اصلا..

ان هذه المقولة تشير بكل بداهة، الى ان الجودة في النتاج الادبي هي مطلب اخلاقي بقدر ما هي مطلب جمالي، فلم تحتفل البشرية بشعر ماياكوفسكي وايلوار واراغون لاسباب سياسية، ولكنها ما كانت لتنزله تلك المنزلة التي يستحق لو لم تتطابق اللحظتان الفنية والموضوعية في بنية جديدة ورؤى جديدة، هي راديكالية بطبيعة الحال..

ولماذا نبتعد؟ افلا نتذكر المطهر النقدي الجمالي الذي غطس فيه ادب المقاومة الفلسطينية حتى استحق ما وصل اليه؟ ولنذكر، لهذه المناسبة ما كتبه مبكرا الناقد العربي المصري الكبير غالي شكري، حين عمل على التدقيق في اسم الادب الفلسطيني الذي وصل الينا من الداخل، قبل زهاء نصف قرن او اكثر، فاعتبر الادب ذا المستوى المتقدم اسلوبا ورؤيا بأنه هو ادب المقاومة، اما الادب الذي تصدى حتى للاحتلال بأدوات تقليدية او مستهلكة فقد اعتبره – في افضل الحالات – ادب معارضة، بمعنى انك حتى تقاوم فانه عليك ان تكون راديكاليا، وان تكون راديكاليا يعني ان تمسك الموضوع من جذره لا ان تكتفي بالاشادة به من بعيد..

واذكر يومها بعض الزوابع السطحية التي هبت في وجه غالي شكري، وسرعان ما ركن المشهد الثقافي العربي الى رأيه الذي لم يكن رأيا بقدر ما هو رؤيا.. وكل فن عابر للزمن يجب ان يكون ذا رؤيا حتى يكسب رهان الوصول الى بر السلامة وامان اليقين.

على ان الادب الراديكالي الحقيقي لا يعترف بالراحة، ولا ينعم صاحبه بكسل اليقين، فان تكتب مقاوما، يعني ان تختار منطقة الاسئلة الصعبة، ومتى كان الفن العظيم سهلا؟

على ان الخطير في هذا الخطاب النقدي، هو الذهاب الى الالتباس بين الشرط الفني والشرط الاجتماعي اذا جاز التعبير، فالشعر متطلب وشاق بقدر ما هو شيق، وقديما قال الشاعر العربي:

الشعر صعب وطويل سلّمه

لا يرتقي فيه الذي لا يعلمه

يريد ان يعربه، فيعجمه

بل ان هذا الشعر يتطلب ذلك الزواج السعيد بين الثقافة والموهبة، ولا اذكر في هذه اللحظة، اسم ذلك العالم الذي سئل لماذا لا يكتب الشعر، فأجاب: لأن الشعر يأباني جيده وآبى رديئه، فلأن ذلك العالم يفهم اسرار الشعر الحقيقي كان يجيد التمييز بين الغث والسمين، ويعي بمرارة صعوبة الظفر بالصيد الثمين لهذا قال بعض المتزيدين: ان الناقد هو شاعر غير جيد، على ان في هذا الكلام شيئا من التزيد الذي لا مكان للجدل معه الآن ولهذه المناسبة.

ها أنذا ابدو كمن يخلط بين المستوى الفني والمستوى الآخر الذي تتطلبه الاخلاق السياسية والموضوعية، والواقع ان بين المستويين شعرة دقيقة حساسة حيث لا يمكن ان يقنعنا أدب متنكر لمسؤوليته الاجتماعية والوطنية والموضوعية بشكل عام، وبين "ادب" آخر فيه ذلك الالتزام الموضوعي لكنه يبدو وكمن يمشي برجل واحدة لأنه لا يتمتع بالمستوى الفني اللائق، لان من ابسط شروط الاقناع الفني هو ذلك التناغم السعيد بين المستوى الفني ومستوى القضية التي يلتزم بها المبدع..

وحتى لا يبقى هذا الكلام عائما في الهواء، لا بد من التوصل الى شروط عامة يجمع العاملون في الادب عليها، ولعل من اول هذه الشروط، ان ينجح المبدع في تأمين الوحدتين العضوية والموضوعية للنص الذي ينجزه، واذا كانت الوحدة الموضوعية تتكفل بالنص المتماسك غير المشتت، فان الوحدة العضوية تشدد على ان تكون لغة النص متجانسة بحيث لا تأتي فكرة من الشرق وفكرة من الغرب، مع ان فضاء الفن، كما قال ناقد لا يحضرني اسمه الآن، هو عالم مسيّج بهواء الحرية، ولا اقصد الحرية السياسية، على اهميتها، بل اذهب إلى حرية النص ذاته في ألايرثهن الى اي نوع من القوالب الجاهزة، بل يرابط عند لحظة الفرح الفني بما هي ابداع واقناع.

وسعيد هو المبدع الذي يقبض على تلك اللحظة التي لا تسلس قيادها الا لمن اختار الابداع اسلوب حياة ورهن مصيره به.