عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 26 شباط 2022

تأملات ذاتية في محطات مسرحية فلسطينية

عادل الترتير*

في قرية رافات بين القدس ورام الله وفي شهر آب من عام 1951، وعلى يد الداية إم جودة، خرجت من الكواليس ووصلت للمسرح الأكبر، هذه الحياة. انحدر من أسرة تعود جذورها إلى اللّد، هُجرّت إباّن النكبة واستقرت تحت شجرة قرب رام الله سرعان ما سقطت أوراقها في الخريف، لتستقر الأسرة في سقيفة الزينكو حيث وُلِدْت. وما أن أطبقتُ الأربعين يوماً من العمر حتى وجدت نفسي مع التنك والحديد والخشب فوق حماراً سار بنا نحو عين منجد في رام الله.

متشبثين بالأمل بأن تشردنا من ديارنا ما هو إلاّ حالة مؤقتة (وإن استمرت هذه الحالة ليومنا هذا)، استمرينا في العيش تحت سقف الزينكو (وما زلنا)، وبدأتُ أقضي الوقت مع أبي في مضافته ودكانه حيث كان يصنع المحاريث والسكك والمداري للفلاحين، وحيث كنت أصغي وبإنصات لضيوفه ورفاقه. وما أن نعود للسقيفة حتى أقصّ عليه ما قاله أبو فياض وما فعله أبو جبران وما رواه أبو جورج ومن بعده أبو عودة، وما كان رد أبي، أبا عدنان، عليهم. كنت أتحسس خشب البلوط، أنحت الحجارة، أحفر على الخشب، أخربش على كل ما توفر، أرسم ما أرى وأتخيل، وأقلد وأتقمص الشخصيات.

ربما كانت هذه الإرهاصات والبزرة المسرحية الأولى والتي ولّدت لاحقاً "مسرح السقيفة"، حيث كنت أحوّل السقيفة العائلية لحالة مسرحية تشعرني بالمسؤولية وتملئني بالشغف وتدفعني للمضي قدماً للمساهمة في تأسيس حركة مسرحية فلسطينية. ومع حلول النكسة، رأيت في المسرح المساحة التي ستمكنني من طرح الأسئلة الكبيرة التي تدور في ذهني: ما الذي جرى وكيف ولماذا وإلى متى، وكيف انتقلنا من نكبة لنكسة، وماذا بعد وإلى أين؟

تيقنت مبكراً أن المسرح ملجئي، وأن مساحات النقد الذاتي تتجلى على خشبة المسرح لطرح الأسئلة الصغيرة والكبيرة. القدس كانت وجهتي، وهناك تعرفت على مجموعة من الشباب والشابات وانضممت إلى فرقة مسرحية في طور التكوين، وانخرطت في العمل المسرحي الجماعي والارتجال والنقاش والجدل والتباحث والتخيل والتأسيس لحالة مسرحية حقيقية، لنشكل فرقة بلالين المسرحية بجهد جمعي تكاملي تعاوني إبداعي. نهج العمل الجماعي لفرقة بلالين منحنا الفرصة لبناء العمل المسرحي من ألفه ليائه، حيث قمنا، جمعاً وكل حسب مقدرته وخبرته، بالتصور والتصميم والتمثيل والتأليف والإخراج، لننتج عملاً مسرحياً متكاملاً مبنياً من صُلب حياتنا اليومية، معنوناً لقضايا تمس الجماهير، معالجاً لتساؤلات وهواجس عامة، بشكل فني درامي إبداعي. مسرحية "قطعة حياة" كانت أولى الأعمال المسرحية، تلتها "العتمة" و "نشرة أحوال الجو" و "ثوب الامبراطور" و "الكنز" و "شجرة الجوز ويونس الاعرج" و "تربايتك عمي" و "تع تخرفك يا صاحبي" و "عنتورة ولطوف"، كلها أعمال أنتجت وعرضت خلال السنوات الخمس التي تبوأت فيها فرقة بلالين دفة القيادة للحركة المسرحية الفلسطينية. 

كان الحس الجماعي والمشترك يمثل نهج فرقة بلالين من دون مساومة أو مواربة، والذي أهلّها للخوض في مواضيع فكرية إنسانية سياسية اجتماعية معقدة بشكل إبداعي مسرحي، ممارسة لدورها المقاوم في تحدي الظلم والاضطهاد والمساهمة في العملية التحررية الانعتاقية. فالمسرح الجاد الحقيقي المنتمي للجماهير والمنبثق عنها، يلعب دوراً تنويرياً تحريضياً توعوياً تحررياً. وكان إيماننا مطلقا بهذا الدور للمسرح، وهو نهج تبنيناه آنذاك ولغاية الآن رغم تبدل الظروف والأحوال المحيطة.

في العام ١٩٧٥، قمنا بتأسيس مسرح صندوق العجب كأول تجربة مسرحية فلسطينية متفرغة ومحترفة كترجمة عملية لشعار "حياتنا المسرح والمسرح حياتنا". ولكن، وعلى قدر جمالية فكرة التفرغ والاحتراف، فقد أفرزت تحديات كثيرة أبرزها على الصعيد المالي؛ فذاك أصابه فقر في الدم، وهذا وصل القدس ولم يستطع العودة لرام الله لعدم توفر أجرة الباص، وفي الوقت نفسه كانت تتراكم علينا الديون لأبا جريس. إلاّ اننا استطعنا التأسيس لحالة مسرحية فريدة في الأرض الفلسطينية المحتلة. فقد عملنا أنا والزملاء فرانسوا أبو سالم ومصطفى الكرد وأنيس البرغوثي بإصرار وتفاني، وقدمنا مسرحية "لما انجنينا" كأول إنتاج مسرحي للفرقة من الألف إلى الياء؛ إذ عملنا على كل تفاصيل العمل بشكل مشترك من تأليف وتصميم وتمثيل وإنتاج وإخراج.

استمرت التحديات واستمر إصرارنا؛ فبعد مسرحية "لما انجنينا"، عملت أنا وأنيس البرغوثي مع عناصر جديدة وأنتجنا مسرحية "تغريبة سعيد ابن فضل الله". تجددت التحديات وزاد ثقل التشرذم بعدها حتى وجدت نفسي وحيداً. كنت أذهب يومياً للمسرح البلدي لبلدية رام الله والذي كان أبعد ما يكون عن وصفه مسرحاً قابلاً للبروفات أو العروض، أعاني الأمرّين حتى أستطيع فتح الباب، أجلس وحيداً متأملاً الحيطان العارية والأبواب المخلعة والشبابيك المفتوحة دوماً والأرضية الترابية التي لا تصلح حتى للمشي. انتظر وانتظر فلا يأتي أحد من الزملاء. أراقص عصى المكنسة، أغني للعصافير، أرتجل، أنادي لجمهور مسرحي ليشجعني على جنوني المسرحي. ليس حباً في البطولة ولا تتويجاً لقدرات مسرحية خارقة، ولكن بدافع الضرورة والديمومة والاستمرارية، قررت عمل مسرحية بشخص واحد "مونودراما" أسميتها "راس روس". تبلورت الفكرة ونضج النص واكتمل التصميم وتسارعت وتيرة التمرينات وكبرت الشخصيات، لترى مسرحية "راس روس" النور في العام 1980 كأول مونودراما فلسطينية جسدت على خشبة المسرح وعمل عليها - من ألفها إلى يائها بكل تفاصيلها وجزيئاتها - ممثل واحد.

بعد المرحلة المفصلية التي أنتجت مسرحية "راس روس"، عملنا في مسرح صندوق العجب على مسرحية "من يعلق الجرس" ومسرحية "الحقيقة"، ثم مسرحيات "الأعمى والأطرش" و "القبعة والنبي" مستندين على ما كتبه الشهيد الكاتب الأديب غسان كنفاني. ورغم الذهنية والرمزية العالية لمسرحية "القبعة والنبي" إلاّ أن ظروف الحالة المسرحية أجبرتنا - مرة أخرى - أن نمسرحها كمونودراما، معلنة مرة أخرى أن حالنا الجمعية المسرحية ليست بخير. ترافق ذلك مع تغييرات سياسية جوهرية طالت القطاع الثقافي برمته فيما بعد، وأحدثت تغييرات مفاهيمية قيمية فنية بيروقراطية لم تغني - وإنما أفقرت - الحركة المسرحية الفلسطينية الأصيلة وتجربتها المتميزة منذ السبعينات، ويطول ويتشعب الحديث والنقاش في هذا المضمار.

جملة التغييرات التي حصلت في أوائل التسعينات دفعتني للابتكار من جديد، ومن هنا بدأت الرحلة عن المخارج والحلول في سبيل الاستمرارية والديمومة والعطاء المسرحي. استرجعت ووظفت وبنيت على الشكل التراثي القديم لصندوق العجب وأقرنته بتؤامه الراوي الحكواتي أبو العجب، كتجسيد لشكل مسرحي متكامل جديد يحتمل مواصفات ومقومات العمل المسرحي الجاد الذي تعودنا عليه، ويصون المبادئ والأسس التي تأسسنا عليها للحفاظ على الحرية والاستقلالية. وعلى مدار العقود الثلاث الماضية وليومنا هذا لم نكف عن التجريب والتطوير المستمر لهذا الشكل المسرحي، ليولد اليوم أكثر من عشرة أشكال وأصناف فنية مسرحية لصندوق العجب ولتجوب حكاياه كل أنحاء فلسطين ودول عربية أخرى. هذه الولادات المختلفة لصناديق العجب هي ثمرة الإصرار وتعبير حي للديمومة والاستمرارية والاستقلالية، المقاوِمة والمناهضة لكل أشكال تجريد المسرح من دوره الطليعي التوعوي التحريضي التحرري.

فالمسرح، بتنوع خشباته، يجب أن يكون دوماً مساحة للجدل وللنقد الذاتي، وحيزاً منحازاً لقضايا المضطهدين، وبوصلة للتحرر والانعتاق، وعنواناً للأمل. فكلما تراكمت هموم المسرح والمسرحين وتبددّت آمالهم وتبعثرت أحلامهم، فلنعلم يقيناً وجميعاً - كثقافة وكمجتمع وكقضية - أننا لسنا بخير. وعسى أن تساهم هذه التأملات الذاتية المقتضبة في محطات مسرحية فلسطينية مختارة في عملية تسعى لأن نكون جميعاً - ثقافة ومجتمع وقضية ومسرحين مستقبلين – بحال أفضل.

----------------------

*مخرج وممثل مسرحي مؤسس مسرح صندوق العجب وفرقة الطرطير ، يعيش في رام الله