أعمال هاينرش بُل تلامس جراحات وعذابات العالم أجمع

الحياة الجديدة - عزز تشابه الظروف التاريخية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وتلك التي سادت وتسود بعض الدول العربية بسبب الحروب المتكررة من فرص تلقي أعمال هاينرش بُل الإبداعية.
ارتبط اسم الكاتب الألماني هاينرش بُل باستقبال الأدب الألماني الحديث عموماً في العالم العربي، بشكل ميزه عن بقية الأدباء الألمان، الذين تم تلقي أعمالهم في البلدان العربية. حصل هاينريش بُل عام 1972 على جائزة نوبل في الآداب.
خبر بُل الحرب وعرف أهوالها ومآسيها، بل وصار من ضحاياها الذين لم تندمل جراح حزنهم، كما قال ذات مرة. وللبحث عن بداية جديدة كتب عن الحرب وما تلاها من فترة الضياع واليأس وطرق أبواب الحياة من جديد، تلك الابواب، التي أوصدتها الحرب المدمرة.
في أعماله المبكرة بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة حاول بُل جاهداً أن يصور بشكل واقعي بعيداً عن التزويق فظائع تلك الحرب والظروف التي سادت ألمانيا بعدها، حاله في ذلك حال جيل الكتاب الشباب، الذين وصفهم زميله فولجانج بورشرت "بالجيل الضائع". ووضعت أعمال بُل وبورشرت المبكرة تلك البداية الحقيقية "لأدب الأنقاض". وكتب بُل واصفاً ذلك الأدب في مقال أسماه "اعتراف بأدب الأنقاض": "أذن فنحن نكتب عن الحرب عن العودة إلى الوطن وعن كل ما رأيناه في تلك الحرب وما وجدانه أمامنا عند عودتنا منها: أننا نكتب عن الأنقاض". ويبدو أن الجراح التي تركتها الحرب في نفس بُل لم تنتهِ حتى مع انتهائها، فقد كتب في قصة "الرسالة"، التي نشرت عام 1947 يقول: "ثم عرفت أن الحرب سوف لا تنتهي مطلقاً، طالما كان هناك ثمة جرح خلفته ومازال نازفاً في مكان".
البداية مع "عندما انتهت الحرب"
تعود بواكير التلقي الترجمي لأدب هاينرش بُل إلى ستينات القرن الماضي، حينما دخل تلقي الأدب الألماني في العالم العربي عموماً مرحلة جديدة، تمثلت بجيل جديد من المترجمين، الذين أتموا دراسة اللغة الألمانية وآدابها في الجامعات الألمانية وبدؤا بترجمة الأعمال الإبداعية الألمانية عن اللغة الأصلية بعد عقود من الترجمة عن لغتين وسيطتين هما الانجليزية والفرنسية. وأعاد الكثير من الباحثين هيمنة تلك اللغتين على تلقي الأدب الألماني في العالم العربي إلى الظروف السياسية التي رافقت وخلفت سيطرة بريطانيا وفرنسا الاستعمارية على البلدان العربية وما رافقها من هيمنة ثقافية. والتلقي الأدبي هو أحد مباحث علم الأدب المقارن المتعلق بتلقي أو استقبال الأعمال الأدبية خارج بيئتها الثقافية.
وبعد ذلك التحول في تلقي الأدب الألماني عامةً، تكاتفت جهود مجموعة صغيرة من المترجمين العرب، ومنهم مصطفى ماهر وفؤاد رفقة ومجدي يوسف لإصدار أول مجموعتين قصصيتين عن الألمانية مباشرة. واستهلت أول مجموعة قصصية مترجمة عن الألمانية مباشرة "قصص ألمانية حديثة"، صدرت في عن دار صادر في لبنان عام 1966، بقصة هاينرش بُل الطويلة "حينما انتهت الحرب" بترجمة الدكتور مصطفى ماهر. غير أن هذا التلقي سرعان ما تراجع وخمل، ولم يتم استئنافه إلا بعد وفاة الكاتب عام 1985.
"ولم يقل كلمة" على خشبة المسرح العراقي
أقتصر تلقي هاينرش بُل في العراق لسنوات طويلة على التلقي الترجمي من خلال تراجم قصصه وأعماله التي تناثرت على صفحات المجلات الأدبية العراقية والمجموعات القصصية المترجمة، التي كانت زاخرة بألوان من قصصه القصيرة. فقد ترجم له المترجم العراقي طارق العاني في مجموعتيه "ليلة في فندق" و"تيودورا الخالدة" العديد من قصصه القصيرة، التي تنوعت اتجاهاتها بين أدب الحرب والاتجاه الساخر، الذي نهجه بُل خلال فترة المعجزة الاقتصادية في ألمانيا.
وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية في مطلع تسعينيات القرن الماضي قام الشاعر العراقي ياسين طه حافظ بترجمة رواية بُل "ولم يقل كلمة" (1953)، التي تنتمي إلى مرحلة إنتاجه الروائي المبكر، عن لغة وسيطة هي اللغة الانجليزية. الأسباب، دفعت حافظ إلى ترجمة العمل إلى العربية هي الظروف الاجتماعية التي عاشها العراقيون في تلك المرحلة والأوضاع، التي مرت بها ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، كما لمح في مقدمته.
ولم يتوقف تلقي الرواية عند المرحلة الترجمية فحسب، بل قدر لها أن تأخذ نوعاً آخراً من أنواع التلقي، وهو التلقي الخلاق. فقد قام الشاعر والمسرحي العراقي عبد الخالق كيطان بإعدادها للعرض على خشبة المسرح تحت عنوان "حياة مدجنة" عام 1992، وأخرجها للمسرح الفنان كاظم النصار. وفي حوار مع موقعنا قال عبد الخالق كيطان: "إن الرواية لا تلامس هموم وعذابات المواطن الألماني بعد الحرب العالمية الثانية فقط، بل عذابات وجراحات العالم اجمع، الذي أُبتلي بالحروب والدماء".
إثراء ثقافي
كان احتفاء الشارع الثقافي العراقي بصدور ترجمة تلك الرواية إلى العربية عام 1991 مرتبطاً بالعديد من الأسباب. فقد انحصرت ترجمة أعمال بُل بجنس القصة القصيرة، وكانت "ولم يقل كلمة" أول رواية من أعمال بُل تترجم إلى العربية في العراق. إضافة إلى ذلك فقد كان لها دور كبير في إثراء المكتبة العربية بمواضيع راهنة وأساليب جديدة. عن هذا يقول المسرحي العراقي: "لقد قدمت تجربة بُل الإبداعية تلك، كغيرها من أعمال الكتاب الألمان في فترة ما بعد الحرب، إضافة هائلة للمكتبة العربية، التي كانت تعاني من فقر في هذا الجانب. لقد كانت أعمال بُل كنوزاً هائلة عثر عليها المثقفون العرب". ويشير عبد الخالق كيطان أن هناك الكثير من الكتاب تأثروا بهذا الأسلوب في الكتابة وبدؤا بإنتاج مسرحيات وروايات لا تخرج عن هذا الفن.
ويرى أن الأدب الألماني حاضراً بقوة في البلدان العربية التي شهدت حروباً، وفي العراق بشكل خاص، بالرغم من ندرة المترجمين عن الألمانية هناك.
المصدر: المركز الألماني للإعلام
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين