أم عاطف.. أي وجع هذا؟؟

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- هو الزمن الذي طوى حكاياه المريرة في جسدها المتهالك وعينيها البارقتين اللتين تحملان حسرة الوطن وأحبة، شاءت أن تخلد ذكراهم بصور تزين جدران منزلها وطاولة ضيافتها الصغيرة، تطالعك في عيدها بابتسامة جميلة تخترق تجاعيد العمر المرهق لتروي قصة أخرى من قصص الأم الفلسطينية المعنونة بالصمود والتضحيات.
أشواط المعاناة من فلسطين وصولا إلى مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين لا تجتزأ بالكلام وهي التي منيت في كل محطة من محطات الشتات في لبنان بخسارة لا تضاهي الأخرى ألما".
أم عاطف (عائشة محمود حسين) ذات الأصول الجزائرية، مولودة عام 1936 خرجت مع أهلها من بلدتها ديشوم في قضاء صفد إبان نكبة 1948 إلى لبنان، تقول: "خرجنا حين بدأت العصابات الصهيونية تقصف بلدة علما المقابلة لنا".
من فلسطين إلى غابة مارون فعيترون فبنت جبيل ومن ثم إلى صور وبعدها إلى القرعون حتى أضحت العائلة في طرابلس شمال لبنان حيث فقدت أملها بالعودة إلى وطنها.
هناك تزوجت أم عاطف من ابن بلدتها أحمد محمد عنان وكانت قد بلغت الـ 20 عاما فانتقلت للسكن في الجنوب ومن بعدها في بيروت.
كان زوجها من قياديي فتح القدامى ومن المقربين للرئيس الراحل أبو عمار، وقد لعب دورا بارزا في تسهيل نقل الفدائيين إلى الجنوب اللبناني. في العام 1982 ولدى مروره من جانب مخازن الأونروا (يومذاك) في منطقة فردان تم تفجير سيارته عن بعد بعبوة ناسفة زرعها له العدو الاسرائيلي ما أدى إلى استشهاده.
لم تسلم عائلة أم عاطف من أحداث الحرب اللبنانية وتحديدا معارك المخيمات حين كان السفير الجزائري وقتها قد أمن الحماية لهم في منزله قبالة جسر المطار، في العام 1988 وبينما كانت ابنتها منى التي تبلغ من العمر 13 عاما جالسة مع صديقتها في إحدى الغرف اخترقت جسدها إحدى الرصاصات من الخارج أدت الى مفارقتها الحياة على الفور.
تعود أم عاطف بذكرى تلك اللحظة وكأنها الأشد إيلاما فتحاول عبثا حبس دمعها وهي تنقلنا إلى مشهد عائلي آخر لا يقل تأثيرا فتقول: "ماتت ابنتي منى أمام أعيننا وقد حملها ابني عمر بين يديه إلى مشفى بيروت وهي مضرجة بدمائها".
لم يكن عمر حينها يتجاوز الـ17 عاما (مواليد 1972)، تسبب المشهد له بصدمة نفسية حادة جعلته يعاني أمراضا عصبية، "وقد بقيت أنا على مدى أكثر من 20 عاما اتنقل به للعلاج بين المشفى المختص بتلك الأمراض (دير الصليب) والمنزل حتى فارق الحياة منذ عشرة أعوام" تقول الأم الملتاعة.
تتوقف عن الكلام ثم تحدث نفسها: "لهذه الأسباب فقدت جزءا من عائلتي... هذه ضريبة ترحالنا.. مهما كان الأمر، لم يكن ليحصل معنا كل هذا لو كنا بقينا في ديارنا... وما تلبث ان تطلب منا تقريب طاولة الضيافة نحوها وقد ألصقت بأسفلها صور عديدة تعود لمن افتقدتهم وتود أن تعرفنا بهم.
راحت أم عاطف تتنقل بين الاسم والآخر بأحاسيس جرحها العميق الذي لم يفقدها طوال السنوات لباقة الصبر الجميل. استأنفت كلامها بالمرور على ذكر البقية من عائلتها ومنهم شقيقها اسماعيل من سكان نهر البارد الذي كان يعمل في حراسة السفارة الجزائرية في بيروت وقد استشهد في مجزرة صبرا وشاتيلا وشقيقها الثاني المدرس خالد الذي فقد إثر مجزرة تل الزعتر عام 1976.
حاولت أم عاطف عدم استثناء أحد من أقاربها الذين فارقوها في لبنان فاستحضرت ايضا ذكرى 10 نساء من أقاربها قضين في أحداث مخيم نهر البارد من حي واحد لتعود وتستدرك النسيان بالقول: "كتار إلي راحوا" ...
بقي لأم عاطف أربعة أبناء، زينب وخديجة وعلي وعاطف، الكل متزوج ولديهم أولاد ما عدا عاطف الذي يعيش مع والدته وهو يبلغ من العمر 56 عاما ومصاب منذ الولادة بضمور عقلي.
يسعى عاطف لخدمة والدته فهي تعاني من أمراض السكري والقلب وجفاف في أرجلها يبطئ حركتها.
تعتاش أم عاطف من راتب مؤسسة أسر الشهداء والجرحى في منظمة التحرير الفلسطينية ويساندها أولادها في ما تيسر لهم بينما تقول إن عمل ابنها علي تضرر من جراء الأزمة الاقتصادية التي ضربت لبنان منذ أكثر من عام ، كما تعمل دار الشيخوخة النشطة في شاتيلا على العناية بأم عاطف فتشملها برعايتها للمسنين وتتابع حالتها الصحية عبر ممرضاتها من خلال التواصل الدائم معها.
تبدو أم عاطف الانسانة القوية التي تأبى هزيمتها أمام ويلات الزمن وهي ذات الكلام الموزون، لا تخطئ ذاكرتها بالأحداث ولا بتواريخها، فتكلمك عن لجوء أجدادها من الجزائر بفعل الاحتلال الفرنسي وعن فلسطين الوطن الذي ولدت وأهلها فيه وحملت هويته وعاشت تفاصيل مآسيه، تعرج على تاريخ الثورة الفلسطينية بفخر وعزة وتنشد بمواقف الرئيس الراحل أبو عمار الإنسانية في لبنان ليس فقط مع شعبه إنما أيضا مع الشعب اللبناني.
بكل عفوية تعبر أم عاطف في عيدها عن آمالها الكبيرة بالعودة الى فلسطين فتقول: "لو قالوا لي الآن سوف تعودين فإنني سأترك كل شيء مكانه هنا وأرحل، ولو أني سأسكن في البيادر، ولو في مغارة صغيرة أذكرها هناك، لا بد أن أعرف دارنا فهي قريبة من حجر صخري كبير، واليهود كانوا يخشون شجر الصبار الكثيف في ديشوم.
تتابع أم عاطف: "هكذا يحدثني عقلي أنني سأعود..ربما يأتي للصهاينة ساحوق وماحوق ..من يعرف؟ هل كان أحد يعلم بكورونا؟ لم يكن أحد يعرف كورونا، إن شاء الله سوف يصيبهم الله بشيء مثله يجعلهم يهربون من أرضنا".
ما زالت أم عاطف وهي بعمر الـ85 عاما، المرأة الجميلة والأنيقة والسيدة القديرة والأم الصلبة التي تعاند قسوة الحياة.. كوردة هي تتفتح كل يوم في حقل أشواك... وأن الورد ليخجل من الأمهات اللواتي يشبهن أم عاطف، عيدهن يوم وهن عيد الزمان.
مواضيع ذات صلة
جنين.. الاحتلال يواصل عدوانه ومخططات استيطانية جديدة
في الذكرى الـ78 للنكبة.. رام الله تتمسك بحق العودة وترفض مخططات الاقتلاع والتهجير
استمرار مأساة 25 ألف نازح في طولكرم
لاجئون في أريحا يتمسكون بحق العودة ويروون حكايات التهجير
أنياب المصادرة تصل حي الجابريات بجنين
طوباس تُودع عاشق يافا وبيسان..
أحفاد النكبة الذين كبروا في ضيقها حتى اختنقوا