عرفات.. رجل القرار الوطني المستقل
باسم برهوم
"لسنا رقما في جيب أي أحد" مقولة كان يرددها ياسر عرفات وتلخص تجربته السياسية وعمق وعيه الوطني ونظرته الاستراتيجية للصراع، وتلخص طبيعة شخصيته التي تجسدت فيها كل الرمزيات الوطنية الفلسطينية، انه فرد يلخص هوية شعب ويلخص تاريخه وقضيته، هذا هو ياسر عرفات.
تلقى عرفات صدمة الوعي الاولى التي قادته لفهم المقولة المشار اليها بخصوص أهمية ان يمتلك الشعب الفلسطيني ارادته الوطنية الحرية واستقلاليته، عندما قرر التطوع فدائيا عام 1948 مع كتائب الجهاد المقدس، كتائب عسكرية فلسطينية مستقلة بقيادة عبد القادر الحسيني، حين رفضت اللجنة العسكرية العربية العليا تزويد الحسيني بالسلاح، حينها ادرك عرفات ان الجيوش العربية لم تدخل الى فلسطين لتحريرها، بل دخلتها لتتقاسمها مع الصهيونية وتطمس هويتها الوطنية.
هذه الصدمة هي التي شكلت وعي عرفات وشخصيته ورسمت خطواته اللاحقة وجميعها تركزت على ابراز الشخصية الوطنية الفلسطينية بشكلها المستقل.
لقد ادرك عرفات مبكرا، الذي عايش حسيا تجربة النكبة عام 1948، مغزى ان يفقد الشعب الفلسطيني ارادته الوطنيه الحرة وقراره الوطني المستقل. فالمصير الذي آل اليه الحاج أمين الحسيني كان ماثلا باستمرار أمام عينيه، لذلك لم يكن غريبا على هذا القاىد التاريخي وعلى امتداد اربعة عقود من قيادته للحركة الوطنية سياسة واضحة تجاه كل المحاولات العربية لفرض الوصاية والاحتواء والتبعية على الشعب الفلسطيني.
"انه رجل القرار الوطني الفلسطيني المستقل" هكذا اطلق عليه شريكه في النضال خلال مرحلة بيروت وليد جنبلاط، وقال موضحا ان عرفات طالما قال "انه لا يرى فلسطين جنوب سوريا ولا غرب الأردن ولا شمال السويس".
وعندما أسس عرفات حركة فتح هو ورفاق دربه أبو جهاد وأبو اياد وأبو مازن وغيرهم، كان حريصا وهم حريصون على ان تكون حركة وطنية فلسطينية مستقلة بارادتها وقرارها، فجاءت حركة فوق الايديولوجيا والحزمية، حركة كل وطني فلسطيني هدفه تحرير فلسطين يمكن ان يكون عضوا فيها.
وبعد هزيمة الأنظمة العربية عام 1967، وحاجة الرئيس المصري الراحل عبد الناصر للفعل الكفاحي الفلسطيني المسلح، رفض عرفات عرض عبد الناصر لتسلم قيادة منظمة التحرير بعد الشقيري، وقال "لا نريد قيادة المنظمة بقرار خارجي، كما ان تغيير قيادة المنظمة هو شأن فلسطيني داخلي". وبالفعل أخذ عرفات قيادة المنظمة بعد صموده في معركة الكرامة، عندما كانت الجماهير الفلسطينية تهتف في كل مكان "أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها ولجيشها المقدام صانع عودتي".
وبهدف الحفاظ على ارادة الشعب الفلسطيني حرة وبهدف الامساك بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل خاض عرفات حروبه وتعرض لحصار تلو الحصار حتى لحظة استشهاده عندما كانت تحاصره دبابات جيش الاحتلال في مقره برام الله.
وحتى لحظة استشهاده بقي عرفات ممسكا بالقرار الوطني المستقل، فهو أدرك قبل غيره ان تحرير ارادة الشعب الفلسطيني واستقلالية قراره هي المدخل للاستقلال الوطني وحق تقرير المصير.
لقد ضل الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني عندما تمت مصادرة قراره عام 1948، ظل ماثلا أمام عرفات في كل مراحل حياته، وكان يردد دائما "ان القرار الوطني الفلسطيني لا يتسع لأي طرف غير صاحب القضية الشعب الفلسطيني نفسه" فمن هذه الرؤيه الواضحة بالنسبة اليه رفض الارتهان لأي نظام عربي بقوله: "فلسطين ليست رقما في جيب أي أحد".
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي