مع الأديب محمد علي طه وسيرته المتميزة: نوم الغزلان
عبد السلام العابد

ثمة كتب تختارها، وتندمج في قراءتها، وترافقك أياما متواصلة، ولا ترغب في الانتهاء منها؛ لأنها تشدك بأساليبها، ومضامينها، وصدقها في التعبير عن جوهر الحياة.
ومن هذه الكتب التي قرأتها مؤخرا كتاب (نوم الغزلان ) للأديب الفلسطيني محمد علي طه.
صدر الكتاب الذي ينتمي لفن السيرة عن منشورات دار الشروق عام 2019م، ويقع في ثلاثمئة وأربع وأربعين صفحة من القطع الكبير.
أذكر المرة الأولى التي تعرفت فيها على القاص محمد علي طه، من خلال ما قرأته في كتابذ (دراسات في القصة المحلية) للناقد نبيه القاسم، حيث كتب مقالا تحليليا عن بواكير قصصه القصيرة. كنت في السابعة عشرة من عمري، وكم كنت أتمنى الحصول على مجموعاته القصصية: (لكي تشرق الشمس)، و(سلاما وتحية) و(جسر على النهر الحزين) ، و(عائد الميعاري يبيع المناقيش في تل الزعتر) وغيرها.
بعد سنوات وجدت بعض هذه المجموعات، في مكتبة بلدية جنين العامة، فقرأتها بمتعة وإعجاب. وأذكر أنني أجريت حوارا أدبيا إذاعيا، مع الأديب محمد علي طه، في إذاعة صوت فلسطين، حيث كنت أعد وأقدم برامج ثقافية قبل العام ألفين.
في سيرته المتميزة التي حملت عنوانا لافتا يشير إلى أهمية الحذر وعدم الاستسلام للتراخي والكرى (نوم الغزلان) يكتب أديبنا محمد علي طه عن طفولته المعذبة، وتهجيره القسري عن بلدته الجميلة (ميعار)، وتشرده مع أفراد أسرته في البلدات المجاورة ، ومشاهداته لأحداث النكبة عام ثمانية وأربعين، وكان عمره سبع سنوات.
ويواصل سرده القصصي الماتع والآسر، ويحدثنا عن جده وجدته ووالديه وأصدقائه ومعارفه وأبناء شعبه ومعاناتهم في وطنهم المحتل فلسطين، حيث استطاعوا الثبات والصمود، رغم إجراءات القمع الاحتلالية.
ويتوقف عند العديد من محطاته وتجاربه الحياتية والأدبية المتنوعة والعميقة، في ميعار وكابول وعكا وحيفا والناصرة وبلدات الجليل والمثلث ومدن وقرى فلسطين، منذ الأربعينيات حتى وقتنا الحاضر. يتحدث عن صداقاته وذكرياته مع الشاعر محمود درويش الذي كان رفيقه في الفصل والمقعد الدراسي، ومع الشاعر سميح القاسم، وسالم جبران وإيميل حبيبي، وتوفيق طوبى، وتوفيق زياد وغيرهم.
ويفرد صفحات كثيرة للحديث عن عمله الصحفي الثقافي في الاتحاد والجديد والغد، وعن عمله في مجال التربية والتعليم، والضغوطات التي تعرض لها؛ بسبب كتاباته القصصية الملتزمة، ومواقفه الوطنية المشرفة.
ونتعرف على تجربته الحزبية، وخروجه من الحزب عام 1992م، وخياره أن يكون كاتبا مستقلا، ومواقفه الوطنية المشرقة، ودعوته الدائمة للصمود والوئام، وترك الفرقة والخصام، والوحدة الوطنية، وعدم التشرذم والانقسام، والتزامه بالقيم والمثل الإنسانية الأصيلة.
وللقدس مكانة كبيرة في قلب أديبنا، فيحدثنا عن حزنها، وألمها، ومعاناتها، وتاريخها، وحلمها الدائم بالحرية، وعن لقاءاته مع القائد الشهيد أبي عمار، وما تعرض له، مع شعبه من حصار وعدوان.
وثمة صفحات كثيرة خصصها الأديب محمد علي طه، للكتابة عن انطباعاته ومشاهداته وحواراته، أثناء رحلاته التي زار فيها، الديار الحجازية حاجا، وروسيا، وسوريا، وتونس، ومصر، والصين، وغيرها.
وفي الصفحة الأخيرة من سيرته الذاتية الرائعة نقرأ ما يلي: (أنا الباقي؛ لأقرع أجراس كنيسة البشارة، وكنيسة كفر برعم، وأرفع الأذان من على مئذنة مسجد حسن بيك، والجامع الأبيض، ومسجد الجزار.. أنا أحب عائلتي وجيراني وشعبي وجميع الناس، ولكنني أكره الظالمين والمحتلين. أنا واحد منكم، وقلمي مسخر لكم، أنا لكم، وأنتم لي، فاسمحوا لي أن أقبل جباهكم، وأبوس عيونكم..).
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت