ابي الذي لا أعرفه
سما حسن
للمرة الأولى يقول لها بصراحة: يا ابنتي ناديني كما تلقبيني على حسابك على الفيسبوك.
نظرت له مشدوهة واكتشفت انه يعرف ما تكتبه على حسابها من تضليل وتجمل، وهذا ليس ذنبها اطلاقا حسبما ترى بل هو ذنب أمها التي ما انفكت تتهم الأب بأنه عديم الشخصية وقليل الطموح وليس لديه أي مشكلة يفكر بها سوى أن يعود من العمل وينام بعد الغداء ثم يخرج للسهر مع اصحابه فيعود ليلا ويجد البيت كله يغط في نوم عميق.
طالبته وبناء على هذا البرنامج أن يسلمها راتبه الشهري البسيط وقد فعل، ولكنه لم يكن يعلم أنه قد سلمها كل مفاتيح الاحترام وصمامات الأمان وأحزمة السير الخاصة بالتعامل معه، فهي قد تركته مهملا كجورب متسخ وبدأت تعيش حياتها بالطول والعرض كما تصفها هي وبناتها الأربع.
بناتها الأربع فتحن عيونهن على الحياة ليجدن الأم تمضي كل وقتها أمام الشاشة الزرقاء وتحدث صديقاتها وجاراتها ثم امتدت علاقاتها لتجتاز حدود العائلة والجيرة ,اصبح لها صديقات من كل البلاد، وبدأت تحدثهن أولا عن الحياة الجميلة الهادئة والبيت النظيف المرتب والزوج المدلل والذي تتدلل عليه البنات قبل الزوجة، ولاحقت البنات أمهن في هذا التصرف وبدأن يتحدثن عنه بعبارات على غرار: بابي فعل، دادي اشتري، بابا حبيبي، حبي الأول، فارس أحلامي وهكذا.
وتحول البيت في أقرب تشبيه إلى مكب للنفايات لأن الأم وبناتها لم يعد لديهن الوقت لتنظيفه وترتيبه ولا يفعلن شيئا سوى الطبخ وتزيين الأكلات الجديدة وتصويرها ونشرها على حساباتهن مع عبارات مثل : تسلم ايديه وبابا أكل أصابعه وراها.
كذبة وراء كذبة والأب يعرف ويسكت والحياة تسير والأم تضعه على الرف والبنات يتوقفن عن مناداته باسم "بابا" ولا يطلبن منه شيئا ولا يشعرن حتى بوجوده وهو لا يفعل شيئا سوى ان يبحث عن عمل اضافي لكي يكمل البرستيج الوهمي الذي صنعته الأم وصدقته البنات.
بالبؤس من يعشن هذه الكذبة والتي حولت البيوت إلى مقابر لا تسمع فيها صوتا بسبب انصراف كل واحد لعالمه الخاص ولا يجتمع أفراد العائلة إلا لمناقشات البوستات والصور والفيديوهات وفلانة لطشت صديق علانة، وعلانة التي التقطت عريسا من خلال الشبكة الزرقاء وأوهمته انها جامعية وهي راسبة في الاعدادية، وهكذا تمر الحياة في المجتمعات الحديثة باسم المدينة والعولمة والنتيجة احصائية في دولة عربية تفيد أن تسع حالات طلاق من اصل عشرة سببها الفيسبوك.
كتبت كثيرا عن الزوجات المظلومات وربما من المرات القليلة التي اكتب عن امثال هذا الزوج الذي دخلت بيته ورأيت مأساته وضياع بناته واستهتار زوجته.
طلب منها بأمل ورجاء أن تناديه : بابي حبيبي، فاشاحت وجهها بعيدا والقت بخصلات شعرها خلف ظهرها وأمعنت النظر في شاشة هاتفها النقال الحديث الذي اشترته من أول راتب استلمه والدها من عمله الجديد.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي