عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 تشرين الثاني 2015

تغريدة بيروتية

حنان باكير

بيروت مدينة بنكهة مميزة. تكفيك زيارة واحدة لها، حتى تستوطن ذاكرتك. مدينة تجدد نفسها، وتتماشى مع كل الأجيال، وفي كل مرة تعود اليها، تجدها امرأة جميلة، تزداد نضجا، تتغير قليلا، لكنها تحافظ على جمال روحها.

أقلعتُ منذ سنوات قليلة عن عادة استئجار سيارة، للتنقل بين المناطق. أستعمل السرفيس، أو التاكسي. حيث اشعر بنبض المدينة، الهادىء والمضطرب أحيانا. أستمع لكل الآراء، والتي تكون احيانا حادة النبرة، اذا لم يكن الركاب من اصحاب الاتجاه الواحد.

أصل بيروت، فتقودني خطواتي للسير في شارع الحمرا، الذائع الصيت. ورغم تنازله عن بعض فخامته ومجده السابقين، الا انه حافظ وبلا منازع على شهرته، كـ " شانزيليزيه" الشرق الاوسط. يقول لي سائق التاكسي، أنا لا اجد في شارع الحمرا شيئا مميزا، هو ليس اجمل من شارع فردان او مار الياس! أجبته: لأنك لم تعرفه قبل سنوات الحرب، ولم تحفظ تاريخه.

 في ستينيات القرن الماضي، أسس مثقفو الفرنكفونية، شارع الحمرا، لمحاكاة شارع الشانزليزيه.. بمقاهيه الثقافية وما شكلته من ظاهرة ثقافية، وملتقى للمثقفين.

 شكل عدد من المقاهي، في شارع الحمرا، سمة خاصة له، وأعطاه طابعا مميزا. فكان مقهى " المودكا" ويقابله مقهى الـ "ويمبي". والـ "كافيه دو باريه".. اليوم اختفت تلك المقاهي، لأسباب اقتصادية، ما يدلل على الوضع البائس للمثقفين في بلادنا.

مقهى "الهورس شو"، الأقدم والأشهر بأنشطته الثقافية والسياسية، حيث كان من رواده أكرم الحوراني، والمفكر منح الصلح. وكان الشاهد على التخطيط لانقلابات عدة. وعلى صياغة بيانات الأحزاب التي تأسست.

تحفظ ذاكرة "الهورس شو"، مسرحية "مجدلون" للمخرج هنري حماتي، وبطولة نضال الأشقر، حيث عرضت في الهواء الطلق امام المقهى، بعد ان منعت من العرض من قبل السلطات.

انتهت الآن ظاهرة تلك المقاهي، واستبدلت بالمقاهي الشبابية والمطاعم، والزبائن الذين يمرون ولا يتكررون. لكن شارع الحمرا الذي لا غنى له عن تنفس الثقافة، ما زال يحافظ على مسرح المدينة ومسرح بابل، ومقهى "ة" التاء المربوطة، المقهى الثقافي، بروح شبابية. قد يفتقد جيلنا، الأجواء القديمة، وتحويل تلك المقاهي الى محلات ألبسة، او مطاعم..لكن سنّة التطور والتغيير تفرض نفسها.

لكن الأمر الأبرز، هو كثرة الحانات التي تزدهر، بشكل خاص، في عطلة نهاية الاسبوع. فقد تم التخلّي عن العديد من المكتبات، لصالح تلك الحانات والنوادي الليلية.

يوم كنا نقرأ، عن مراحل التغيير او التجديد، والصراع بين المحافظين والمجددين، ربما كنا نستغرب الامر أو أننا لم نكن نستوعبه. أما الان، فنحن نشهد ذلك الصراع، في/على بيروت.

بيروت الحديثة التي تم اعمارها، بعد الحرب المدمرة، لا تشبه بيروت التي عرفها جيلنا. هي الآن أكثر حداثة، وأقرب الى الطراز الغربي. وصممت لطبقة ميسورة الحال. ولا تكاد تلمس حياة أو حيوية في شوارعها.

 بيروت التي عرفناها، كانت أكثر حيوية، وكانت لكل طبقات المجتمع، من الأسواق الراقية، مثل سوق الطويلة، وسوق أياس، الى الاسواق الشعبية، مثل سوق سرسق. كل الطبقات تستطيع تناول وجباتها في المطاعم، أو الجلوس في المقاهي.

تقول جارتي البيروتية: أنا بيروتية وأفتخر. وأريد مدينة حديثة وراقية، ومن قال إننا لا نملك المال، للتمتع بمحلاتها الفخمة. تجيبها جارتي الأخرى: هيدي عاصمتنا كلنا، ومن حق الجميع التمتع مع أولاده بالسير في شوارعها، واللعب في ساحاتها!