مطلوب للعدالة
د. أسامة الفرا
تغيرت مطلع القرن الحالي نظرة العالم حيال الجرائم التي يرتكبها الطغاة، ولم تعد محكمة الجنايات الدولية هي فقط صاحبة الإختصاص في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بل أن العديد من الدول أخذت على عاتقها ملاحقتهم قانونياً، حيث سنت هذه الدول قوانينها التي تكفل لها تقديم المجرمين للعدالة حتى وإن كان مرتكبو جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وضحاياهم ليسوا من حملة جنسيتها، فيما بات يعرف بالولاية القضائية الدولية، ولعل الدافع وراء ذلك تمثل في ملاحقة الطغاة في دول العالم الثالث من جانب وردع النزعة الدموية لديهم من جانب آخر.
القوانين التي سنتها هذه الدول للعمل بموجب الولاية القضائية الدولية أبقت صلاحية التطبيق دون محددات، وإن كانت الديكتاتورية في العالم الثالث هي المستهدفة من هذا القانون، فلا يمكن للقضاء فيها أن يغلق أبوابه أمام الجرائم التي ترتكب في بقعة جغرافية ما، الولاية القضائية الدولية التي تعمل بها العديد من دول العالم شكلت مدخلاً لملاحقة قادة دولة الإحتلال على جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبوها بحق الشعب الفلسطيني، حيث لجأت مؤسسات حقوقية لرفع قضايا ضد قادة الاحتلال لمحاكمتهم على ما ارتكبوه من جرائم، وسبق لمحكمة بلجيكية أن أصدرت قرارها بمحاكمة رئيس حكومة اسرائيل السابق "شارون" بناء على الدعوى المرفوعة من الناجين من مجزرة صبرا وشاتيلا، وكذلك قرار المحكمة البريطانية بإلقاء القبض على الجنرال "دورون الموغ" قائد ما يسمى المنطقة الجنوبية لارتكابه جرائم ضد الفلسطينيين في غزة عام 2002.
إن قرار المحكمة الاسبانية مؤخراً بحفظ التحقيق في القضية المتعلقة بالهجوم على سفينة مرمرة، المتهم فيها رئيس حكومة الاحتلال وعدد من وزرائه، لا يعني طي صفحتها إلى الأبد، حيث تركت المحكمة الباب مفتوحاً أمام إعادة القضية من جديد إذا قام نتنياهو بزيارة أسبانيا، لا شك أن بعض الدول الأوروبية تحاول اليوم تقنين العمل بمبدأ الولاية القضائية الدولية، من خلال اقتصاره على الجرائم التي ترتبط بعلاقة بتلك الدولة، سواء كان المجرم أو أحد ضحاياه من رعايا الدولة، وهذا ما فعلته اسبانيا مؤخراً، ويكون السبب وراء ذلك الدعاوى الموجودة أمام القضاء التي تطارد قادة دولة الاحتلال.
سبق لمجلس وزراء الخارجية العرب أن دعا في ايلول 2001 لتشكيل محكمة جنائية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين، وهو ما أكد عليه لاحقاً المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العدل العرب وعزمهم على ملاحقة المسؤولين الاسرائيليين بحق الجرائم التي ارتكبوها ضد الشعب الفلسطيني، الواضح اليوم أن قراراتهم بقيت حبراً على ورق.
ما ارتكبه قادة الاحتلال من جرائم حرب وجرائم ضد البشرية يكفل ملاحقتهم قانونياً ليس فقط في محكمة الجنايات الدولية بل في العديد من المحاكم التي تعمل دولها بمبدأ الولاية القضائية الدولية، وهو ما يكفل تحويل قادة الاحتلال إلى مطلوبين للعدالة، وأضعف الإيمان أن الدعاوى أمام المحاكم في العديد من الدول سيمنع قادة الاحتلال من زيارتها، ورفع الدعاوى يجب ألا يقتصر على السلطة الوطنية ومؤسساتها الرسمية بل يكون الدور الأساس للمنظمات الأهلية والأفراد، إن القرار الصادر عن المحكمة في جنوب أفريقيا، بمنع الرئيس السوداني من مغادرة أراضيها، يجب أن يدفع العرب للتحرك الجاد لوضع العدالة الدولية على المحك، فلا يجوز لها أن تواصل ملاحقة الرئيس السوداني في الوقت الذي ينعم فيه قادة الاحتلال بحرية الحركة.
osgovernor@hotmail.com
مواضيع ذات صلة
متى نرى الجميع سعداء؟!
التعليم لأجل التعافي… حين يصبح التعلم فعلَ صمودٍ في زمن الحرب
معا نحمي الحياة… الوعي مسؤولية وطن في زمن الظروف الاستثنائية
حين تبتلع الصورة المعنى: أزمة الذائقة في الإعلام الجديد
الوطن أم القلاع المبنية من حجارة هشة ؟!
المرأة الفلسطينية بين التحرير والتحرر
في غزة.. بناء البشر أولى من بناء الحجر