عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 10 حزيران 2026

حين يصبح العلاج امتيازا.. أزمة السفر في غزة

على الحافة- د. تحسين الأسطل

في ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة، وما يرافقها من انهيار في المنظومة الصحية وتفاقم الأوضاع الإنسانية، يبرز ملف السفر للعلاج عبر معبر رفح كأحد أكثر القضايا حساسية وإلحاحا. غير أن هذا الملف، الذي يفترض أن يكون بوابة إنقاذ للمرضى، بات يثير في الآونة الأخيرة تساؤلات جدية حول نزاهة إجراءاته وعدالة معاييره.

ورغم عدم وجود دلائل موثقة، تشير شهادات متطابقة من داخل القطاع إلى تصاعد شبهات الفساد والرشاوى المرتبطة بترتيب قوائم السفر، خاصة في الحالات الطبية والإنسانية. ويتحدث مواطنون عن اضطرار بعض المرضى أو ذويهم لدفع مبالغ مالية كبيرة –تصل في بعض الحالات إلى عشرات آلاف الدولارات– لضمان إدراج أسمائهم ضمن كشوفات المغادرين.

ورغم صعوبة التحقق المستقل من جميع هذه الادعاءات، إلا أن تكرارها وانتشار وثائق ومعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي يعزز من مخاوف المواطنين بشأن غياب الشفافية، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار في هذا الملف.

من جهة أخرى، تتوزع المسؤوليات للسفر بين عدة أطراف، فعمليات نقل المرضى تتم عبر منظمات إنسانية دولية ومحلية، في حين تتولى جهات رسمية فلسطينية إجراءات التنسيق والختم عبر هيئة الشؤون المدنية. أما منظمة الصحة العالمية، فتشير في العادة إلى أن دورها يقتصر على الدعم الفني، مع إحالة مسؤولية تحديد الحالات إلى الجهات الصحية المحلية في غزة، والتي تحيل كافة الاطراف المسؤولية اليها.

هذا التداخل في الأدوار، مقرونا بغياب آلية واضحة ومعلنة لاختيار المستفيدين، يخلق فراغا في المساءلة، حيث تميل كل جهة إلى نفي مسؤوليتها المباشرة عن أي تجاوزات محتملة، ما يفاقم من حالة انعدام الثقة لدى المواطنين.

في المقابل، يتحدث البعض عن وجود "تنسيقات خاصة" للسفر خارج الأطر الرسمية المعلنة، دون وضوح في المعايير أو الضوابط، الأمر الذي يعزز الانطباع بوجود تمييز غير عادل، خاصة على حساب المرضى الأكثر حاجة أو الطلبة العالقين ويحرمون من الالتحاق بجامعاتهم، وهنا لا يمكن فصل هذه الإشكاليات عن السياق الأوسع، حيث يؤدي الضغط الشديد والأعداد المحدودة للسفر، وإغلاق المعابر، وتعقيد الإجراءات، إلى خلق بيئة خصبة لانتشار الفساد واستغلال الحاجة الإنسانية.

أمام هذا الواقع، تتزايد الدعوات لضرورة وضع آليات شفافة وواضحة لتنظيم السفر، تضمن العدالة وتكافؤ الفرص، وتخضع لرقابة مستقلة. كما يطالب مختصون بالاستفادة من تجارب سابقة في الإدارة العادلة للملفات الحساسة، مثل نظام القرعة الذي اعتمدته وزارة الأوقاف في تنظيم السفر لأداء فريضة الحج، بالإضافة إلى الضغط على الاحتلال من أجل السماح بزيادة أعداد المسافرين والقادمين الي قطاع غزة باعتباره المتسبب الرئيسي بهذه الأزمة.

وعند السؤال عن الحلول للخروج من الأزمة، لا بد أولا من الاعتراف بوجود المشكلة، مرورا بتحديد المسؤوليات بوضوح، وصولا إلى بناء نظام شفاف يخضع للمساءلة، بإشراف الحكومة الفلسطينية، ويضع مصلحة المرضى وكرامتهم فوق أي اعتبارات أخرى.

في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة، لم يعد مقبولا أن يتحول الحق في العلاج إلى امتياز يُشترى، أو أن تبقى معاناة المرضى رهينة لإجراءات غير واضحة، فالعدالة هنا ليست مطلبا إداريا فحسب، بل ضرورة إنسانية وأخلاقية ملحة مرتبطة بإنقاذ حياة آلاف المرضى.