عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 13 حزيران 2026

طاحونة الألم..!

تغريدة الصباح- حسن حميد

منذ أمد بعيد، والرصانة والجدية والإخلاص والروح الفنية.. صفات واجدة ثابتة حاضرة في الآداب الفلسطينية التي عنيت بكتابة معطيات الحياة ووصف أحداثها وحادثاتها، وما أبدعته الأيدي من آيات العمران التي ناددت العمران والإبداع في محيطها الجغرافي، ولاسيما في البلاد المصرية في غرب البلاد، والبلاد في شرقها، بلاد الشام، وبلاد الرافدين التي كانت تؤرخ للحضارات، وما أعطته من عمران مذهل، وما أبدته من إبداع ساحر! وقد كانت هذه البلاد العزيزة المحيطة ببلادنا مرآة واسعة لتجليات العقل الذي أبدع الكتب وأرخ لها حتى صارت هي القول، والراوي، والمرجع، لذلك كانت النصوص والكتب والأفكار مثل الريح في هبوبها وتناقلها من جهة إلى جهة، تحمل الجديد، وتحتفي بالطيب، وتقدر الثمين، مما أدى إلى منافسة فذة في تجميل الدنيا، وشدّها إلى المعنى العمراني الذي شغل به ابن خلدون 4)1332-160) حين قال: الحياة هي العمران، وحين عرف العمران، وصفه بالإبداع.

  هذه البلاد الفلسطينية العزيزة، احتشدت بالعمران حتى صار طبقات تعبر عنه، ولكل طبقة مرجعية تاريخية، وهوية اعتبارية، وروح فنية سامية، وتعقيبات وهوامش وذيول لحقت بمتونها شارحة مؤولة، ومثلما عرفت الموضوعات التعدد، والتنوع، والمساهرة، عرفت الجوانب الفنية أيضاً التعدد، والتنوع، والمساهرة، الأمر الذي جعل الكاتب في مصر، ينتظر ما سيقوله الناقد الفلسطيني عن نصه أو كتابه، كي يطمئن إلى أنه يسير في الطريق الأكثر إنارة، وإضافة، وسحراً، وهكذا كان الكاتب في البلاد الشامية والعراقية، فكان كل واحد منهما حريصاً على أن يصل نصه أو كتابه إلى البلاد الفلسطينية، أو ينشر ما كتبه في المجلات والصحف الفلسطينية ليعرف صداه بين القراء، والأدباء، والمفكرين وما فيه من قيمة إبداعية، والحال كانت هي الحال حين سعى الكاتب الفلسطيني إلى مثل ما سعى إليه الكاتب المصري والسوري والعراقي، في التواصل والمناددة ما بين النصوص والكتب والأفكار من أجل الوصول إلى علوات جديدة، كل واحدة منها غدت، مع مرور الأيام، جهة مركزية للإبداع، ولهذا قال أهل النقد: إنّ أهل مصر وسورية وفلسطين، والمقصود هنا هم من يكتبون ويؤلفون ويبدعون، هم أصحاب المهمومية الإبداعية والفكرية في الكتابة تطويراً للآداب والفنون، وأن أهل لبنان يطبعون وينشرون، وأهل العراق هم من يمثلون المرآة النقدية الفاحصة والمثمنة لهذا التأليف، وتلك الكتابة، وذلك الإبداع، وهذه المعادلة بقيت عقوداً قاربت القرن من الزمن، فهناك جهة تكتب وتبدع، وهناك جهة تطبع وتنشر وتوزع الكتب، وجهة تقرأ وتقيم!   طبعاً كل هذا توصيف له علاقة بالواقع والمجاز، لأن أهل مصر، وبلاد الشام، كانوا أيضاً أهل رأي، وتقييم، وفحص للإبداع الجديد وما فيه من براعات واشتقاقات، مثلما كان أهل العراق أصحاب تأليف وإبداع.

قلت هذا، كي أشير إلى هذه البلاد الفلسطينية العزيزة، ورغم ما عانته من أطماع الآخرين الوحشية بها أرضاً، ومجالاً حيوياً، وأرزاقاً، ومكانة، وما أثقلته عليها الظروف التي أحاطت بأهلها إلى حد التكبيل، أبدعت في اشتقاقات مذهلة أرخت لحياة الفلسطيني، طوال قرن من زمن مر، وموجع، وحرون، وهي التي دونت حياة أهل  فلسطين بكل ما أحاط بها من أذيات، وفي طيها بطولة هذا الشعب، وقيمه التي اعتنقها فصارت مثالاً أبدياً وتاريخياً، واجتماعياً، ونورانياً للعالم كله، ولاسيما حين عاش هذا الشعب في أزمنة راحت  ترمى عليه يومياً نيران الظلم والعسف، حتى صار التهجير، والقتل، والخراب، والسجون والمطاردة، والجوع، والحرمان، والخيام، والخوف، والارتباك، والنفي.. وجوه حياة أهله، ليس لجيل واحد، بل لأجيال لها سلالاتها المتتالية تترى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لقد أسس أهل فلسطين وأصّلوا الكثير من القيم التي كان في طالعها: محبة الوطن! والوطن.. تراب، ونخيل، وأشجار، وأنهار، وصخور، وبراري، وأعشاب، وبحيرات، وذهب، وفضة، وغيوم، وطيور، وأشواك، وحجارة، ودروب نحيلة، وسدر، وجميزة، ودوالي عنب، وأحلام..ولهذا دافع أهل فلسطين عن كل هذا، وعن كل ما أشار إلى الاجتماع، والكرامة، والسيادة.. بيوتاً، وبشراً، وتاريخاً، وجغرافية، وحاضراً، ومستقبلاً، وكتباً، توارثوها من أيام الكتابة على الجلود، والحجارة، والطين، والقصدير، والنحاس، وورق البردي والموز، وما حفظوه في الجرار خوفاً على تاريخهم، وما عملت عليه أيدي الأجداد والآباء، وما تطلبته اللياقة الوطنية.

نعم، اشتق الكتاب الفلسطينيون، خلال هذا القرن الأليم، أدباً سموه أدب الشتات ليروي حكايات أهلهم الذين طردوا وشردوا وهجروا إلى المنافي، وطبيعة ما عاشوه، وما بنوه، وما حلموا به.. ليقولوا:  لا كبيرة لـ (لامبالاة) العالم بما يحدث في البلاد الفلسطينية العزيزة، واشتقوا، وبسبب ظروفهم وأحلامهم، أدب المقاومة الذي كتب مدونة ذهبية لشهدائهم الذين رحلوا وهم ينشدون، في لحظات الأنفاس الأخيرة: موطني، موطني!

وابدعوا أيضاً، أدباً جديداً، لم تعرفه الدنيا من قبل الا على نحو نادر، هو أدب الأسرى، الذي كتبوا به حياتهم التي واجهت الموت، وصلف الإسرائيليين بالصبر والعزائم الثقال، كي تصير الحياة وجها آخر للكرامة، والعزة، والثبات، والعقيدة..مع أن لحوم أجسادهم كانت تذوب في الحرائق التي أوقدها الإسرائيليون داخل سجونهم البشعة، ومع أن الأمراض تناهبت أجسادهم حتى أكلتها بوحشية تماثل وحشية غيلان الأودية، والكهوف، والمغاور المعتمة.

كل هذا، كان وراء خصوصية الأدب الفلسطيني الذي حمل لواءه مبدعون من طينة الخزافين الذين آخوا الحزن ليكتبوه، وعاشوا في فضاءات السجون الإسرائيلية ليكتبوا عن أفعال سجانها الناقصة، وتأملوا حياة المنافي والشتات والخيام ليكتبوا عن صلابة الفلسطينيين وأفعالهم المشدودة إلى حلم العودة! وهذه الخصوصية، على غاية من الأهمية، لأنها تميز أمة من أمة، وشعباً من شعب، وأرضاً من أرض، وعمراناً من عمران، وإبداعاً من إبداع، ولهذا ما كان غريباً أن تشبه كتب الفلسطينيين قناطرهم في صفد، وبيت لحم، والقدس، وأن تشبه حقول برتقالهم وزيتونهم وقمحهم وقصب سكرهم، والخصوصية هنا، هي ما ارتضاه الأدب الفلسطيني ليكون البادي بإنسانيته المذهلة، وقيمه النبيلة، و أحلام أهله الولود..رغم طاحونة الألم!

Hasanhamid5656@gmail.com