عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 14 آذار 2016

"الصراع الذي نخوضه في إثبات الذات يحتاج للمواجهة أحيانا"

ثورة حوامدة

تنطلق رواية "أنا والأنا"، للروائية الفلسطينية سلام عيدة، من ركيزة مهمة، هي القدرة على فصل التأثيرات الخارجية عن الشخصية الإنسانية. الرواية ذات الطابع النفسانيّ، أظهرت فيها الكاتبة أن النفس الإنسانية يمكنها أن تكون "هي" دون تدخل من الآخرين الغرباء، لذا يجب أن لا نكون "نحن" في صورة ما يريده الآخرون لنا، بل يجب أن يتقبّلونا كما نحن . من خلال السرد والحوارات تكشف الرواية تحوّلات الشخصيات الرئيسية فيها، وعلاقة إحدى "البطلات" مع تنظيم "داعش" والكشف عن طبيعة رؤيته إلى المرأة.

أظهرت هذه الرواية الصادرة عن دار إبداع في القاهرة 2015م  لمن يبحر في ثناياها، أن إرضاء البشر غاية لا تدرك، ولا تلزم أحيانا، بطلة الرواية الممثلة المسرحية "بلقيس"، برغم كل ما تميزت به من حضور مسرحيّ وموهبة في خطف تركيز الحاضرين، كانت غير قادرة على أن تكون حرة تماما من العوامل المؤثرة من صديقها خضر على شخصيتها، حيث بقيت كالدمية يحركها يمينا وشمالا، وكالبرنامج الكومبيوتري، يضع في عقلها ما يحب ليرى فيها ما يريد، دون النظر فعليا لرغباتها أو ما لا تفضله، فما كان عليها إلا أن تنهي هذه العلاقة، وتعود لبريطانيا لتكمل حياتها في مكان ولادتها.

في الرواية نلتقي بالفتاة " ليلى"، شقيقة بلقيس، والتي تمارس شخصية الذكر شكلا ومضمونا، تُسمي نفسها "عليّ"، وتشرح في النص بأنه ثمة أسباب كثيرة دفعتها لذلك، أبرزها معاملة والدتها لها منذ صغرها، فهي حين أنجبتها كانت تعتقد أنها ستنجب توأما من أنثى وذكر، لكن الأم صُدمت عندما عرفت بأن توأمها من الإناث، وأخذت تجعل من ليلى ذلك الصبي الذي تريد، فأخذت تعلّمها التبول وقوفا، وقص شعرها كالذكور، والسماح لها باللعب مع الصبيان، وشراء الملابس الذكورية لها لتعزز هذا الإحساس، أرادت لها أن تكون ذكرا باللباس والشكل الخارجي، فنشأت ليلى على هذا الإحساس الذكوري.

ولتثبت ليلى ذكورتها الطاغية على ما يعتريها من مشاعر الأنوثة، انضمت لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ساعدها في الوصول إليهم حبيب أختها السابق، الكاتب المسرحي "خضر"، لكثرة علاقاته معهم وسريتها. كانت بداية " ليلى" معهم من خلال موقع التواصل الإجتماعي "السكاي بي"، قررت بعد أن تعرفت على حياتهم الصعبة والتي تحتاج لفحولة أن تنضم لهم لتقوي "علي" فيها، مع التركيز على أن العامل الديني كان مستبعدا من خياراتها وقت أن انضمت إليهم. كانت الترتيبات قبل وصولها إلى موقعهم بسيطة، وضعت "ليلى" لحية مستعارة، مستعينة بلباس الدواعش الذي يغطي الشخص من الرأس حتى القدمين، ساعدها جسدها الهزيل في ذلك. منذ اللحظات الأولى كانت خائفة من أن يكتشفوها بينهم. كانت لا تنام إلا عندما تتأكد من أن الجميع خلدوا للنوم وراحوا يسبحون في بِرك الدم التي يقضون يومهم فيها بشكل ممتع، وكأنه إنجاز جهادي وهو ليس كذلك، هذا ما تكشفه لنا ليلى في سردها للرواية.

كانت التدريبات اليومية كثيرة، والمرابَطة في الجبال أمرا متعبا، لا يشتمّ بينهم أحد رائحة الأنثى في تلك الأماكن المقطوعة من البشر، ومع ازدياد حاجتهم لجسد أنثى، ما فتئت ليلى تشعر بأنها وسط ذئاب وليسوا أشخاصا عاديين، لا شي يمنعهم من أن يقتلوها لو علموا بأمرها، فكانت تسهر لتراقب تحركاتهم وطريقة تفكيرهم لتتأكد بأن كل شي يسير على ما يرام، وتتسلل للنوم وسط أجساد الرجال في العراء.

الرواية التي لم تذكر زمان ومكان الأحداث التي جرت، أبرزت عقدة النقص التي تملكت البطلة. في إحدى الليالي حدثت الفاجعة، حيث طلب أحد الرجال في التنظيم من ليلى أن ينام إلى جانبها، وعلى اعتقاد منها أن لا مكان فارغ له، قبلت ذلك، لكنه كان يبحث عن الشهوة، فأخذ ينقل يده على تضاريس جسدها بعد أن وضع يده على فمها، راح يهدّدها بأن المعسكر يتوق لرائحة أنثى، وأنه لاحظ منذ البداية أن جسدها لا يمكن أن يكون لذكر "اسمعيني جيدا يا فتاة، أعرف حقيقتك، فلا تنكري ولا تقاومي، وإلا جعلتك أيتها الجميلة الشقراء وجبة شهية لهؤلاء الفئران في الخارج"، وطلب أن يشبع رغبته دون فضيحة، فوافقت أن يغتصبها.

 الحلول المدرجة ل "ليلى" كانت تصب في بوتقة إعادة إنعاش الأنثى التي تعيش في داخلها، السجالات التي راوغتها وقت أن استفاقت من صدمتها أعادت فيها الأنوثة للحياة، أظهرت لها أن الذكورة التي تقمصتها لمدة تتجاوز العشرين عاما لم تضمن لها الحماية من نفس الجنس الذي تود أن تكون منه. والدتها التي دفعت بها إلى فخ الذكورية لم تكن قادرة على حمايتها من شيطنة الرجال ومكرهم، من هنا بدأ التحول في شخصية ليلى، وعادت تنظر للمرآة بعين أخرى ، تطالع قصاصات شعرها التي انتظمت على قصّها كلما لاحت غيوم الأنوثة في الأفق.

لأول مرة منذ أن نهضت أنوثتها من موتها السريري، خلعت رداء الذكورة وأطلقت العنان لنفسها بكامل ما تحتاجه الأنثى جسديا ونفسيا وعاطفيا، أرادت أن تكون أنثى بالمعنى المطلق، ليس كما تريد لها والدتها أو المجتمع، بل كما أرادت وترى لنفسها. قررت أن تنجو من التنظيم الذي لا يحترم الدين نهائيا، هربت منه حتى تتخلص من الماضي البشع والخيارات الخاطئة.

كاتبة من فلسطين .