حصار مقيت لموسم قطاف الزيتون

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في قرى نابلس، لا ينتظر أصحاب الأرض نضوج الزيتون هذا العام، بل ينتظرون أن يسمح لهم بالوصول إليه.
في تلك القرى وحيث كانت الأرض تفتح ذراعيها لأصحابها كل خريف، بات على الفلاح أن يثبت حقه في الطريق إلى شجرته، وأن يستأذن بندقية تقف بينه وبين ذاكرته.
يأتي تشرين الأول هذه المرة مثقلا بما لا تحتمله الأغصان، في بورين، وقريوت، وقصرة، وحوارة، وعوريف، وعصيرة القبلية، لم يعد موسم الزيتون ذلك العرس الريفي الذي تتوارث العائلات طقوسه، بل موعدا مع الخوف، واحتمالات الاعتداء، وحقول قد تنضج ثمارها وتسقط دون أن تمتد إليها يد أصحابها.
في بورين، يقف المزارع محمد النجار أمام أشجار زرعها منذ عقود، يلوح من بعيد دون أن يدري إن كان سيستطيع هذا العام الوصول إلى تلك الأشجار أم لا، مشيرا إلى أن أرضه تقع في مناطق مصنفة "ج" والوصول إليها يحتاج إلى تنسيق مسبق، وحتى مع التنسيق لا تتوفر له الحماية، حيث تعرض على مدار سنوات لجملة من الاعتداءات.
لم يكن الرجل يخشى أن يشيخ، بقدر ما كان يخشى أن تشيخ أشجاره وحيدة.
قال وهو يشير إلى الجبل: "زرعت هذه الزيتونات وأنا شاب، كبر أولادي تحتها، وتزوجوا، وصار عندي أحفاد، كل سنة كنت أقول لهم، هذه الأرض ستبقى لكم لكني اليوم صرت أخاف أن أموت قبل أن ألمس شجري مرة ثانية".
خفض الحاج محمد صوته قليلا، كأنما يخشى أن تسمعه الأرض وهو يعترف بعجزه: "أنا لا أريد شيئا سوى أن أصل إلى أرضي، وأقطف زيتوني، وأعود إلى بيتي قبل المغرب، هل صار هذا حلما كبيرا؟".
أما زوجة الحاج محمد فتقول إنها لم تغب عن موسم واحد من قطاف الزيتون منذ زواجها. كانت توقظ أبناءها قبل الفجر، وتخبز لهم، وتملأ إبريق الشاي، ثم تمضي بهم إلى الحقل، حيث كانت الأيام الطويلة تبدو أقصر من أن تتسع لكل الأغاني والحكايات.
تضيف: "كنا نعود آخر النهار وظهورنا تؤلمنا، لكننا كنا نضحك، اليوم، أولادي يسألونني إن كان المستوطنون سيتركوننا نذهب، لا أعرف ماذا أقول لهم".
في بورين، لا يسأل المواطنون هذا الخريف كم ستنتج أشجارهم من الزيت، بل كم شجرة سيستطيعون الوصول إليها، وكم عائلة ستعود من الحقول سالمة.
هناك على السفوح التي حفظت أسماء أصحابها، قد يسقط الزيتون هذا العام دون أن يجمعه أحد.
وعلى امتداد القرى المحيطة بنابلس، تتشابه الحكاية وإن اختلفت أسماء الجبال، ففي الموسم الماضي، حرم مزارعون من حوارة وبورين وعينابوس وعوريف وعصيرة القبلية ومادما من الوصول إلى حقولهم الواقعة داخل مستوطنتي "يتسهار" و"شافي شومرون"، وفي بورين وحدها، بقي نحو 300 دونم من الزيتون دون قطاف، بعدما أوقف حارس مستوطنة أعمال القطاف رغم التنسيق المسبق.
أما في قصرة، فقد سبق المستوطنون موسم الزيتون إلى تضييق الخناق على الأرض وأهلها. ثلاث أسر في منطقة رأس العين عاشت أكثر من خمسة أسابيع من العزلة والقيود المشددة على الحركة، عقب إقامة بؤرة استيطانية قريبة منها، حتى إيصال المساعدات إليها أصبح يحتاج إلى تنسيق، في مشهد يلخص ما قد ينتظر المزارعين حين يحاولون بلوغ أراضيهم.
وليس الخوف هنا وليد الخيال. فقد وثقت الأمم المتحدة خلال موسم الزيتون الماضي 185 اعتداء للمستوطنين في 70 تجمعا فلسطينيا، أتلفت خلالها أكثر من 6 آلاف شجرة وشتلة. أرقام باردة في التقارير، لكنها في حياة الفلاحين مواسم ضائعة، وأعمار مهدورة، وأبواب رزق أغلقت قبل أن تفتح.
فالزيتون في فلسطين ليس محصولا يقاس بما يدره من زيت، بل ميراث عائلي تقاس به المسافة بين الأجيال، لكل شجرة حكاية رجل غرسها، وامرأة انتظرت ثمارها، وأبناء تعلموا في ظلها أن الأرض لا تورث وحدها، بل تورث معها مسؤولية البقاء.
مواضيع ذات صلة
شاما حمامدة.. قوّة الخطاب في مواجهة عنجهية الغطرسة
حصار مقيت لموسم قطاف الزيتون
"أبو فيصل".. ثمانية عقود في حراسة ذاكرة القمباز
المنصوري.. ذاكرة لا تُمحى مهما حاولت أطنان المتفجرات الإسرائيلية طمس ملامحها
قوات الاحتلال تعتقل مواطنا وشقيقته عقب اقتحام مستعمرين إرهابيين للبلدة القديمة بالخليل
الاحتلال يعيد اعتقال أسير محرر من المغير
إصابة 3 مواطنين في اعتداء لمستعمرين إرهابيين في جمالا قرب رام الله