"أبو فيصل".. ثمانية عقود في حراسة ذاكرة القمباز

طولكرم- الحياة الجديدة-عزيزة ظاهر- بين أكوام الأقمشة وبكرات الخيوط المتراصة على رفوف دكانه القديم في بلدة دير الغصون شمال طولكرم، يجلس محمود يوسف أسعد بدران "أبو فيصل"، أمام ماكينة خياطة رافقته منذ طفولته، يمرر القماش بين يديه بحرفية اكتسبها على مدار ثمانية عقود، متحديا سنواته الثماني والتسعين، ومتمسكا بمهنة باتت مهددة بالاندثار أمام انتشار الملابس الجاهزة وتراجع الإقبال على الأزياء التقليدية.
لم تعد الخياطة بالنسبة له مجرد مهنة يتكسب منها، بل جزءا من حياته وذاكرته، وامتدادا لعلاقة قديمة تربطه بالقمباز الفلسطيني، الذي لا يزال يفصله لزبائن يقصدونه رغبة في استعادة زي ارتبط بآبائهم وأجدادهم.
من مقاعد الدراسة إلى ماكينة الخياطة
في سن العاشرة، ترك بدران مقاعد الدراسة والتحق بأخيه الأكبر في مخيطة العائلة، حيث أمضى عاما يتعلم أصول الخياطة، قبل أن تصبح المهنة مصدر رزقه ورفيقته طوال حياته.
يقول أبو فيصل لـ "الحياة الجديدة"، إن الرجال في شبابه كانوا يرتدون "الديماية" قبل انتشار القمباز، وكانت تستورد من سوريا، حيث اشتهر عدد من الخياطين بحياكتها، بينهم اللحام والحفار.
وعاصر خلال مسيرته تغيرات واسعة في أنماط اللباس، من القميص العربي والديماية والقمباز إلى الدشداشة والبيجامة والبنطلون والجاكيت.
القمباز.. ذاكرة الآباء والأجداد
لم يكن القمباز مجرد قطعة قماش بالنسبة لبدران، بل زيا حمل ملامح الحياة الفلسطينية ورافق الأفراح والمناسبات الاجتماعية، وظل حاضرا في ذاكرة الأجيال.
ورغم تغير الأذواق وتراجع ارتداء الملابس التقليدية، لم يتخل أبو فيصل عن خياطة القمباز، الذي لا يزال يجد طريقه إلى بعض البيوت الفلسطينية، وإن اختلفت الغاية من ارتدائه.
ويقول بحسرة ممزوجة بالفخر: "كان هدفنا أن نحافظ على خياطة القمباز من الاندثار، اليوم يأتي إلينا شباب ليخيطوه حتى يعلقوه في منازلهم ويقولون: هذا كان يلبسه أبي".
أما ماكينة الخياطة القديمة، فتحمل في ذاكرته وصية أخيه الأكبر التي لم ينسها، "إياك أن تبيع الماكينة"، ومع مرور الزمن تحولت الوصية إلى عهد بالوفاء للمهنة مهما تغيرت الظروف.
ولا تقتصر علاقة أبو فيصل بالقمباز والديماية على زبائنه من أبناء بلدته، بل تمتد إلى فرق التراث الشعبي التي تعتمد الأزياء التقليدية في عروضها الفنية، ومنها فرقة زيتونة أبو ضرار للتراث الشعبي في بلدة عصيرة الشمالية شمال نابلس.
ويقول أحمد ضرار جرارعة، مؤسس الفرقة في سياق حديثه لـ "الحياة الجديدة"، إن علاقته بالحاج أبو فيصل تمتد لعشرات السنوات، إذ اعتاد بدران خياطة القمباز والديماية له ولأعضاء الفرقة، لتكون هذه الأزياء جزءا من حضورهم في العروض والأنشطة التراثية.
ويشير جرارعة إلى أن استمرار التعامل مع خياط يمتلك هذه الخبرة يمثل صلة مباشرة بمرحلة من تاريخ اللباس الفلسطيني، حيث لا تقتصر أهمية الثوب على مظهره، بل تمتد إلى ما يحمله من دلالات ثقافية وتراثية.
وبين مشغل أبو فيصل وعروض فرقة الزيتونة، تواصل الأزياء التقليدية حضورها، شاهدة على دور الحرفيين في إبقاء تفاصيل التراث حية، ونقلها من ذاكرة الآباء إلى الأجيال الجديدة.
من أثواب الحياة إلى أكفان الموتى
في دكان أبو فيصل، تتجاور حكايات البهجة مع لحظات الوداع، فإلى جانب القمباز والأثواب، اعتاد حياكة أكفان موتى بلدته مجانا، لوجه الله تعالى، في صورة من صور التكافل الاجتماعي المتجذر في المجتمع الفلسطيني.
ويستذكر أن الموت كان قليلا عندما كانت دير الغصون صغيرة، ولم يكن الكفن يجهز إلا بعد وفاة أحد أبناء البلدة وإبلاغ ذويه. أما اليوم، فأصبح من الضروري الاحتفاظ بأكفان جاهزة على رفوف المحل تحسبا للحاجة.
رغم بلوغه الثامنة والتسعين، لا يزال أبو فيصل يرفض أن تكون سنوات عمره سببا للتوقف عن العمل، متمسكا باستقلاله وكرامته، وبحقه في أن يعيش من تعب يديه.
وبينما تتراجع مهنة الخياطة التقليدية أمام الملابس الجاهزة، يواصل أبو فيصل الجلوس خلف ماكينته، لا ليخيط القماش فحسب، بل ليحافظ على حرفة تختزن تفاصيل من الحياة الفلسطينية، ويترك للأجيال القادمة شاهدا حيا على زمن كان فيه القمباز والديماية جزءا من هوية الناس وملامحهم اليومية.
مواضيع ذات صلة
شاما حمامدة.. قوّة الخطاب في مواجهة عنجهية الغطرسة
حصار مقيت لموسم قطاف الزيتون
"أبو فيصل".. ثمانية عقود في حراسة ذاكرة القمباز
المنصوري.. ذاكرة لا تُمحى مهما حاولت أطنان المتفجرات الإسرائيلية طمس ملامحها
قوات الاحتلال تعتقل مواطنا وشقيقته عقب اقتحام مستعمرين إرهابيين للبلدة القديمة بالخليل
الاحتلال يعيد اعتقال أسير محرر من المغير
إصابة 3 مواطنين في اعتداء لمستعمرين إرهابيين في جمالا قرب رام الله