عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 19 أيلول 2026

صبرا وشاتيلا.. ذاكرة المجزرة ومرآة غزة

مهيب البرغوثي

في ظل المجازر اليومية التي يشهدها وعاشها  الشعب الفلسطيني في غزة  وغي كامل فلسطين كل يوم ، يعود إلينا شهر أيلول حاملا ذكرى جريمة  من أفظع الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بالتعاون مع ميليشيات لبنانية في مخيمي صبرا وشاتيلا عام 1982.

وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن المشهد يتكرر، وإن تغير المكان.

من صبرا وشاتيلا إلى غزة، تتغير الأسماء ويبقى الدم هو ذاته، ويبقى المجرم ذاته، ويبقى الصمت العالمي هو العنوان المشترك.

 

مجزرة مستمرة.. الماضي يحاصر الحاضر

ما بين 16 و18 أيلول من عام 1982، ارتكبت في صبرا وشاتيلا مجزرة وحشية بحق أكثر من 3000 مدني فلسطيني ولبناني، معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ، داخل مخيمين محاصرين في بيروت الغربية.

ارتكبت المجزرة تحت غطاء من الجيش الإسرائيلي، الذي سهل دخول الميليشيات إلى المخيمين، ووفر الإضاءة الليلية وأحكم الطوق الأمني، تاركا المدنيين لمصيرهم في أزقة الموت.

واليوم، وبعد أكثر من أربعين عاما، تقصف غزة المحاصرة بالطائرات والصواريخ، تدمر فيها البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وتباد عائلات بأكملها في مشهد يعجز عنه الخيال. لا ملاجئ، لا ممرات آمنة، لا خطوط حمراء، فقط موت متكرر وذاكرة متجددة.

 

استمرارية ثقافية القتل الجماعي

ما يجمع بين مجزرة صبرا وشاتيلا ومجازر غزة ليس فقط الفاعل، بل أيضا المنهج: استهداف ممنهج للمدنيين، محو للأحياء السكنية، قتل جماعي تحت مبررات "الأمن والدفاع".

وكأن الثقافة السياسية الإسرائيلية لم تتغير، بل تراكمت خبرتها في صناعة الألم وتبريره أمام العالم.

لكن ما يجمع بينهما أيضا هو الصمت الدولي، وازدواجية المعايير، حيث تتكرر الجريمة ولا تتغير الاستجابة. ففي صبرا وشاتيلا لم يحاسب أحد، واليوم في غزة، ترتكب المجازر على الهواء مباشرة، ولا ترفع سوى بيانات "القلق العميق".

 

الذاكرة كأداة مقاومة

إن ثقافة المقاومة لا تقتصر على البندقية فقط، بل تشمل أيضا الذاكرة والتوثيق والتعبير الثقافي.

لقد ألهمت مجزرة صبرا وشاتيلا عشرات الكتاب والفنانين والمخرجين، الذين حولوها إلى رمز للألم والصمود، وهي اليوم تلهم جيلا جديدا يوثق مجازر غزة بالصورة، بالكلمة، بالموسيقى والرسم، كي لا يمحى الألم من الوعي، ولا يمر الظلم مرور الكرام.

الثقافة، حين تصير صوتا للضحايا، تكون أقوى من الرصاص.

 

لا عدالة بلا ذاكرة

في ذكرى صبرا وشاتيلا، لا نحيي حدثا من الماضي فحسب، بل نسلط الضوء على الحاضر الذي يعيد إنتاج الجريمة ذاتها.

وما لم تتم محاسبة مرتكبي الأمس، سيواصل مجرمو اليوم جرائمهم بثقة تامة في الحصانة والإفلات من العقاب.

من صبرا وشاتيلا إلى غزة، الخط البياني واضح: شعب يذبح، واحتلال يكافأ، وعالم يشيح بوجهه.

لكن في المقابل، هناك أيضا شعب يقاوم، وذاكرة لا تموت، وثقافة تكتب التاريخ الحقيقي، من تحت الركام.

"المجازر لا تنسى، والمجرمون لا يغتفر لهم، والعدالة، وإن تأخرت، تظل مطلوبة".