عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 12 أيلول 2026

كرتلات الكتب.. يوميات الحياة والحرب في غزة

عبدالله نايف أبوشاويش*

من يدخل مخيمنا، تستقبله بسطات وأكشاك الدخان الممتدة على جنبات الطريق، من دوار فرهود حتى مدرسة العروبة الثانوية للبنات (العربي، والشامي، والنيكونين، ودخان الضفة، وحتى تلك الأنواع الرخيصة التي يسميها بعض المدخنين (ملوخية ناشفة)).

لم تعد بسطات الدخان غريبة على المكان؛ فقد صارت جزءا من مشهده اليومي، مثل: الخيام، والركام، وأعمدة الكهرباء المائلة، ووجوه الشباب الذين فقدوا أعمالهم منذ بدأت الحرب.

كل صباح، يتكاثر الدخان على جانبي الطريق، كأن للمخيم طقسا جديدا يفتتح به نهاره؛ يد تبيع، ويد تشتري، ويد تلف سيجارة، وأخرى تبحث عن ثمنها.

ولم يعد السؤال في المخيم عما نريد أن نشتريه، ولكن عما يمكن أن نبيعه كي نواصل حياتنا اليومية.

شباب لا شغل لهم ولا مشغلة، لا نقاط مساعدات ينتظرون عندها، ولا شاحنات يمكن أن يسبقوا إليها، وحتى مواسير شبكة المياه التي كان يمكن سرقتها وبيعها، أجهز عليها العاطلون قبل أن تستنزف الحرب ما تبقى في جيوبهم من نقود، وما تبقى في أرواحهم من قدرة على الانتظار.

هكذا صنعت الحرب أعمالها الصغيرة، أو لعلها دفعت الناس إليها دفعا. صار كل شيء قابلا للبيع، أعمدة الإنارة، مواسير المياه، بقايا الحديد، قطع الخشب، أو أي شي يمكن انتزاعه من بين الأنقاض، أو ما يمكن حمله من البيوت المقصوفة، وحتى الأشياء التي لم نكن نتخيل يوما أنها ستدخل سوقا كهذه، حتى الكتب.

وهنا تكمن الحكاية التي لم أكن أعرف أنها ستقودني إلى واحد من أكثر مشاهد الحرب قسوة؛ مشهد لا تحتاج فيه النار إلى حطب، ولا يحتاج فيه الدخان إلى قذيفة.

فقد كان لأخي بسطة صغيرة استقرت، منذ شهرين، أمام باب مدرسة بنات النصيرات الإعدادية (ب). فقد كانت قبل ذلك أمام بيت أبي الفهد، الرجل المثقف المشتبك، الذي كان يعرف كيف يحول الحديث العابر إلى نقاش طويل عن الوطن والثقافة والسياسة، ثم تنتهي الجلسة غالبا ونحن مختلفون في التفاصيل، متفقون على أن البلاد تحتاج إلى ما هو أكثر من الكلام.

أما الآن، فقد صار لأخي جيران جدد (وائل، وإبراهيم، وأدهم، وأبو ياسر، وأبو عميرة وغيرهم) جلهم من بائعي الدخان، وكلهم تقريبا من أبناء المخيم، كنا نعرف بعضنا منذ سنوات، لكن الحرب جعلتنا نعرف بعضنا أكثر؛ عرفنا شكاوى بعضنا، ومخاوفنا، وديوننا، وأسماء موتانا، وما نخفيه من غضب خلف الكلام العادي، وما لا نستطيع قوله إلا ونحن ننفث الدخان في الهواء.

ومنذ أن استقرت بسطة أخي بينهم، صار المكان محطتي الصباحية.

كنت أتوجه كل صباح إلى بسطة أخي، أجلس قليلا، أتبادل مع جيرانه التحية والنكات والأخبار، وأراقب ذلك الطقس اليومي الغريب الذي فرضته الحرب على المخيم، بائعون يفتحون أكشاكهم قبل أن تفتح المدينة عينيها، وأيد تتسابق إلى تجهيز السجائر، ودخان يتصاعد فوق الخيام كأنه جزء من سماء المكان.

وفي كل صباح، كان بائعو الدخان يبدأون عملهم قبل الجميع؛ يفتحون أكشاكهم، ثم يخرجون الكراتين التي جمعوا فيها الكتب والمجلات، ويجلسون على الأرض، يفرغونها من محتوياتها، يقلبون الصفحات، يختارون منها ما يصلح، ثم يقطعونها ويجهزونها لتصبح كرتلات للف السجائر.

كنت أرى المشهد كل يوم وأتجاوزه بصمت؛ ربما لأنني لم أكن أريد أن أرى، أو لأن الحرب علمتنا أن نعتاد الأشياء التي كان يكفي أن نراها مرة واحدة كي تؤلمنا إلى الأبد.

إلى أن جاء ذلك الصباح.

كان أدهم يفتش بين الكتب، بينما جلس وائل إلى جواره، يمد يده كلما وجد صفحة تصلح للغرض.

قال أدهم:

- بيكفيك كتاب اليوم.

ضحك وائل وقال:

- هو أنا كل يوم بدي أطلبك؟ هاتلي اللي عندك.

رفع أدهم رأسه، وقال غاضبا:

- هو انتو خليتو عندي كتاب؟ حتى الروايات والدواوين!

ثم التفت إلي، ولوح بيده:

-  أبو شاويش، أمانة الله عليك تعال احكم بينا.

اقتربت منه وأنا أضحك.

- خير إن شاء الله، في شو أحكم؟

أشار إلى كومة الكتب وقال:

- بيريضيك؟ أمانة من أربعمية وخمسين كتاب، ما ظل منهن غير خمستعش ديوان ورواية!

ثم راح يعد على أصابعه:

-  كل يوم: هات يا أدهم كتاب. هات يا أدهم رواية. هذا بيلزمك، وهذا ما بيلزمكاش. بيستغلوا غيابي عن الخيمة، وبيستغلوا إنه ما ظل حدا هناك بعد استشهاد مرتي، وبيسحبوا الكتب، وبيلفوهن كرتلات لهالعرصات.

نظرت إلى وائل، فضحك.

قلت لأدهم:

-  حد يا ظالم بيفرط في هيك كنز؟

لم يجب.

أمسك بيدي وسحبني إلى داخل خيمته.

كانت الخيمة ضيقة، منخفضة، تفوح منها رائحة الغبار والرطوبة والتبغ. وفي زاويتها رف خشبي صغير، وأشار إليه.

-  شوف.

نظرت.

كانت الرفوف التي كانت يوما ممتلئة بالكتب قد تحولت إلى هياكل فارغة. بعض الخيوط العنكبوتية تتدلى بينها، والغبار يغطي الخشب كأنه غطاء قبر.

قال أدهم بصوت خافت:

-  أمانة الله عليك... شوف المكتبة. كانت مليانة كتب ومؤلفات وروايات ودواوين، اليوم صارت خاوية على عروشها. ما ظل عندي غير هالكرتونة.

كانت الكرتونة تحت فراش مهترئ، انحنى وأخرجها، ووضعها أمامي.

فتحتها.

تصاعد غبار خفيف، عطست بسببه، ثم بدأت أخرج الكتب واحدا تلو الآخر.

وفجأة توقفت يدي (غريب عسقلاني، عبدالله تايه، طلال أبو شاويش، كفاح الغصين، محمد صادق أبو سليمان).

 شهقت، وصرخت، يالله..

بقيت أحدق في الأسماء، حتى أني لم أعد أسمع أصوات الباعة في الخارج. بدا لي أن المخيم كله ابتعد دفعة واحدة، وأن الخيمة ضاقت أكثر، حتى لم يبق فيها إلا أنا وهذه الكتب.

لم تكن تلك المؤلفات مجرد كتب مرمية في كرتونة؛ ولكن كانت ذاكرة كاملة، سيرة وطن مكتوبة بالحبر، وأصوات أناس دفعوا أعمارهم كي تبقى فلسطين محفورة في الذاكرة.

مددت يدي إلى رواية (عودة منصور اللداوي) مررت أصابعي على غلافها، وسألت نفسي:

أيكون هذا هو مصير منصور اللداوي؟

أن تساق الرواية إلى الذبح في هذا الصباح، وليس على يد جلاد، وإنما بين أصابع مدخن يريد أن يشعل سيجارته؟

وماذا يعرف الذي يلف سيجارته بهذه الصفحة عن غريب عسقلاني؟ وعن الرواية التي قطعت كل هذه المسافة حتى تصل إلى هنا؟

وضعت الرواية جانبا.

ووقعت يدي على (قمر في بيت دراس).

يا الله!

هل يعقل أن تكون نهاية صفحات عبدالله تايه كرتلة في فم مدخن، بينما صاحبها حمل كل ذلك النزف الجسدي والفكري كي يمنحنا هذا الكتاب؟

ثم ظهرت أمامي كتب طلال أبو شاويش (وقت مستقطع للفرح) ابتسمت بسخرية.

وقت مستقطع للفرح؟ هل أصبح الفرح نفسه غير صالح لنا؟

نحن الذين ما زلنا نتشبث بالحياة وسط هذا الخراب، ونبحث عن دقيقة واحدة لا يسبقها فيها صوت انفجار ولا يعقبها خبر موت.

ثم وجدت ديوانين لكفاح الغصين (عرفت الله من أمي) و(حصان الوقت) قلبت الصفحات ببطء، وتخيلت الأغاني التي غنتها لفلسطين، للوطن والشتات، للحرية والعودة.

هل انتهى زمن تلك الأغاني؟ أم أن الحرب قررت أن تعيد تعريف ما يصلح لنا وما لا يصلح؟

ثم ظهر كتاب الدكتور محمد صادق أبو سليمان (في علم العروض) ضحكت، لكن الضحكة لم تخرج كاملة، تخيلت التفعيلات والدوائر العروضية والزحافات والعلل والقوافي وهي تتحول إلى دخان، يصعد فوق مخيمنا الذي لا تكاد طائرات الاستطلاع تترك سماءه.

كانت كتب بعض أعمدة الأدب الفلسطيني، في تلك اللحظة، ممددة داخل كرتونة،  وكانت الحرب في الخارج تنتظر دورها.

قطع أدهم شرودي:

-  شو أسوي في دينهم؟

نظرت إليه، لم أعرف ماذا أقول.

قلت:

-  شو رأيك آخذهن منك؟ أقرأهن بدل ما يعملوهن كرتلات. وما تستفيد منهم إشي. ولما أخلص منهن برجعلك يا عم.

ضحك ضحكة قصيرة، مرة، وقال:

-  برضه يا عبدالله، بدك تسرقهن مني بأدب، زي هالعرصات؟ جدي بده يلعب على تيس، بقلك حلني، بتقلي أعطيني؟

ضحكت، ثم أقسمت له أنني سأعيدها كلها.

ظل ينظر إلي طويلا، وأخيرا قال:

-  خذهن.

ناولني الكتب على مضض.

مددت يدي إليها، شعرت بثقلها. لكن الكتب لم تكن ثقيلة بسبب عددها؛ ولكن كانت ثقيلة لأنني كنت أعرف إلى أين كانت ستذهب لو تركتها هناك.

خرجت من الخيمة، وكان وائل وإبراهيم ينظران إلي نظرات شؤم صامتة، وضعت الكتب تحت ذراعي، ومضيت.

في الخارج، كان أدهم قد عاد إلى بسطته. جلس وائل إلى جواره، وبدأ يجهز أوراقا جديدة للف السجائر.

نظرت إلى الورقة التي بين أصابعه، كانت صفحة من كتاب، لم أستطع أن أعرف اسم المؤلف، قلت في سري:

ربما كانت هذه آخر صفحة من أحد كتب الأدب الفلسطيني، قبل أن تتحول إلى كرتلة في فم مدخن، أو رمادا في سيجارة من (أبو طيز حمرة) ذلك الدخان الذي لا يقوى على ابتياعه إلا من يملك ثمنه سوى الطبقة البرجوازية من المدخنين أو اللصوص، بينما صار كتاب كامل عند آخرين لا يساوي أكثر من ورقة صالحة للسيجارة.

ثم ضممت الكتب إلى صدري ومضيت.

خلفي، كان وائل وإبراهيم يواصلان لف السجائر، وكانت رائحة التبغ تمتزج برائحة الورق القديم.

اشتعلت أول سيجارة، ثم تصاعد دخانها ببطء.

وتخيلت، للحظة، أن صفحة من صفحات غريب عسقلاني، أو عبدالله تايه، أو طلال أبو شاويش، أو كفاح الغصين، أو غيرهم قد أضرمت فيها النار للتو.

رفعت رأسي إلى سماء المخيم، وكان الدخان يتكاثر فوق الخيام، وفوق الركام، وفوق ما تبقى من مكتباتنا.

وللمرة الأولى، لم أعرف، أكان ذلك دخان الحرب التي أحرقت المكان والإنسان، أم دخان (النيكوتين أو الملوخية) الذي يلتهم صفحات الكتب التي لم تجد من ينقذها؟

أم أن الاثنين صارا - في هذا الخراب- دخانا واحدا؟

----------

قاص وشاعر من غزة*