بغداد التي تأخذ الجرح إلى جهة الشعر
ماهر المقوسي

حين وصلتُ إلى بغداد، لم أشعر أنني أصل إلى مدينة جديدة بقدر ما شعرت أنني أدخل مدينة كانت قد وصلت إليّ قبل ذلك بوقت طويل، عبر الشعر والكتب وأسماء الشعراء الذين تركوا في اللغة شيئاً من شوارعها ونهرها وليلها، وعبر ذلك الحضور الذي جعل بغداد في الوعي العربي أكثر من مدينة يمكن أن تحددها الخريطة، فهي مدينة عشنا معها قبل أن نراها، وحفظنا أسماء شعرائها ونهرها قبل أن نمشي في شوارعها.
ربما لهذا بدت الخطوة الأولى في بغداد أقل غرابة مما توقعت، فقد كان في المكان شيء مألوف يصعب تفسيره، شيء يشبه أن يصل الإنسان متأخراً إلى مكان كان يعرفه من قبل، وأن يجد في شوارعه بعضاً من الصور التي تركتها الكتب في ذاكرته.
جئتُ إليها شاعراً من غزة، ضمن وفد اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين الذي ضم أعضاء من غزة والضفة، وكانت غزة معي منذ اللحظة الأولى، لا كعنوان أحمله وأقدمه للآخرين، وإنما كجزء من الطريقة التي أنظر بها إلى الأشياء: في نبرة الكلام، وفي الوجوه التي أفتقدها، وفي التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في الصور ولا تستطيع الأخبار أن تختصرها، في شارع أعرف انعطافاته، وبحر أعرف مزاجه، وبيوت تركت في الذاكرة ظلالاً لا تزال تمشي معي أينما ذهبت.
لهذا لم أذهب إلى بغداد بحثاً عن غزة، فقد كانت غزة هناك معي، في الذاكرة وفي اللغة، وفي ذلك الشعور الذي يصعب شرحه حين يكون الوطن جزءاً من تكوين الإنسان لا مكاناً يتركه خلفه عند السفر. كنت أذهب إلى بغداد لأرى ما أعرفه من زاوية أخرى، ولأكتشف كيف يمكن لمدينة عريقة مثل بغداد أن تستقبل مدينة تحمل جرحها وذاكرتها وشعرها، من غير حاجة إلى كثير من الشرح.
في معرض بغداد الدولي للكتاب، شعرت أن فلسطين وجدت طريقها الطبيعي إلى المكان، طريق الكلمة والكتاب والقصيدة، وأن حضورنا هناك لم يكن مجرد مشاركة في برنامج ثقافي، فقد كنا نحمل معنا شيئاً من المدن التي جئنا منها، وشيئاً من الذاكرة التي نعمل على أن نحميها من أن تتحول إلى مجرد صور للحرب والخراب. وبين الكتب والناس والحوارات، كان يتأكد لديّ معنى قديم ظل يرافقني دائماً: أن الكتاب يمنح الأشياء التي نخشى فقدانها فرصة أخرى لكي تبقى، وأن القصيدة تستطيع أن تحفظ من المكان ما تعجز الذاكرة وحدها عن حمله.
ثم أخذتني بغداد إلى نفسها، خارج المعرض، إلى شارع المتنبي حيث الكتب قريبة من أيدي الناس، وحيث تبدو القراءة جزءاً من الحياة اليومية لا طقساً منفصلاً عنها. كنت أمشي بين الكتب وأفكر في المدن التي تستطيع أن تجعل من الثقافة جزءاً من مشهدها العادي، ثم رأيت دجلة، ذلك الاسم الذي عرفته طويلاً من القصائد قبل أن أقف أمام مائه، وحين رأيته لم أتذكر النهر الذي قرأت عنه فقط، حينها فكرت في الأنهار التي تحمل المدن ولا تحملها معها، وفي المدن التي يعبر الماء من بينها فيما تبقى هي معلقة في ذاكرة البشر.
عند دجلة شعرت أن المسافة بين غزة وبغداد أقل كثيراً مما تقول الخرائط، فهناك مدن تفهم بعضها من غير أن تتشابه، ويكفي أحياناً أن تكون قد عرفت الفقد حتى تستطيع أن تلمح جرح مدينة أخرى، والعراق يعرف معنى أن تصبح المدينة ذاكرة، وفلسطين تعرف معنى أن يبقى الوطن في الإنسان حتى حين يصبح الوصول إليه أصعب من الوصول إلى أي مكان آخر. وربما لهذا كان في بغداد شيء جعلني أشعر أنني لا أبدأ من الصفر، وأنني أمام مدينة لها قدرة قديمة على الإصغاء إلى المدن الأخرى.
وكان حضور فلسطين في بغداد قد بدأ قبل وصولنا إلى المعرض، من خلال عمل متواصل تولّت السفارة الفلسطينية في بغداد، بقيادة السفيرة سمر عوض الله وفريقها، الذي كان له دوره الرئيسي في الإعداد والتنسيق والمتابعة وفتح مساحات اللقاء، بالتنسيق مع مراد السوداني، الأمين العام لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، والجهات العراقية المعنية.
وكان للسفيرة سمر عوض الله حضور يتجاوز الدور البروتوكولي الذي يمكن أن يرافق مثل هذه الزيارات، فقد بدا واضحاً في طريقة متابعتها للتفاصيل أنها تنظر إلى الثقافة باعتبارها مساحة حقيقية للقاء، لا مجرد عنوان يضاف إلى برنامج رسمي. ولعل خلفيتها الثقافية واهتمامها بالأدب والفنون منحا هذا الجانب من عملها حساسية خاصة تجاه حضور الكتاب والشعراء، وجعلاها أكثر إدراكاً لما يمكن أن تفعله أمسية شعرية أو ندوة أو لقاء بين مثقفين في بناء علاقة تتجاوز حدود المناسبة.
كان ذلك يظهر في المتابعة الهادئة، وفي الحرص على أن تأخذ اللقاءات شكلها الذي يليق بها، وفي التواصل المستمر مع الجهات الفلسطينية والعراقية، وفي الرغبة بأن تكون مشاركة الوفد الفلسطيني في بغداد جزءاً من المشهد الثقافي للمدينة، لا مجرد حضور عابر في معرض للكتاب. وقد شعرت أن هذا النوع من العمل لا يظهر كله في الصور النهائية، لكنه هو الذي يجعل الأشياء تمضي بسلاسة، ويمنح الضيف إحساساً بأن هناك من يتابع التفاصيل من داخل ومن خلف المشهد.
وفي اللقاءات التي جمعتنا بالعراقيين، من مثقفين وشخصيات عامة ومسؤولين -بحضور السفيرة الفلسطينية في أغلب اللقاءات- كان لافتاً أن فلسطين لم تكن بحاجة إلى أن تقدم نفسها، فقد كان اسمها حاضراً قبل أن يبدأ الكلام، وكانت غزة تصل إلى الآخرين من خلال ما تركته في الذاكرة العراقية من محبة وحكايات وصور، لا من خلال صور الحرب وحدها. وفي تلك اللحظات شعرت أنني لا أتحدث عن مكان يحتاج إلى التعريف، وجدت نفسي اتحدث عن مكان له جذور قديمة في وجدان هذه المدينة، وأن ما يجمع غزة وبغداد أعمق من ظرف سياسي أو مناسبة ثقافية عابرة.
وربما كان أكثر ما بقي معي من الرحلة أنني رأيت غزة في بغداد بطريقة لم أرها بها من قبل. حين نعيش في المكان طويلاً تصبح تفاصيله قريبة إلى درجة أننا لا نرى صورته كاملة، نعرف الشوارع والوجوه والأصوات ونمضي بينها من دون أن ندرك دائماً ما الذي تصنعه فينا، وحين نبتعد قليلاً يعود المكان إلينا بصورة أخرى، كأن المسافة تمنحنا فرصة للنظر إليه من خارج يومه العادي. هكذا رأيت غزة في بغداد، حيث لم أرها بوصفها صورة للخراب، ولا عنواناً للحرب، رأيتها مدينة لها حياة وذاكرة وصوت، مدينة يستطيع شعراؤها أن يقولوا عنها ما تعجز الصورة العابرة عن قوله.
وهنا عادت بي بغداد إلى الشعر، إلى السؤال الذي يظل حاضراً كلما حاولت أن أكتب عن المكان: لماذا نكتب المدن التي نحبها؟ ربما لأننا نخشى عليها من النسيان، وربما لأن القصيدة تستطيع أن تمنح المكان حياة أخرى حين تضيق به الحياة الأولى. أنا لا أكتب غزة لكي أصفها فقط، أكتبها كي تبقى حاضرة في اللغة كما عرفتها، ببحرها وبيوتها وناسها وذاكرتها، وحتى حين أكتب عن جرحها فإنني لا أريد للجرح أن يبتلع المدينة كلها.
وهذا ما جعلني أفهم بغداد بطريقة مختلفة أيضاً؛ فهذه المدينة لم تبق في الذاكرة العربية لأنها مدينة قديمة فحسب، لقد بقيت لأن الشعراء أعادوا كتابتها جيلاً بعد جيل، حتى أصبح اسمها جزءاً من اللغة، وصار دجلة أكثر من نهر، وصارت بغداد أكثر من مكان، وصارت القصيدة إحدى طرق البقاء. وربما لهذا نحتاج نحن أيضاً إلى أن نكتب مدننا قبل أن يكتبها الآخرون، وأن نترك لها أصواتنا وصورها وذاكرتها، حتى لا تختصرها الحرب في صورة واحدة، ولا يصبح الخراب هو الاسم الوحيد الذي يستطيع العالم أن يتذكرها به.
وحين عدت إلى قصيدتي بعد بغداد، لم أجد المدينة بعيدة عنها. بقي شيء من دجلة في الذاكرة، وشيء من شارع المتنبي، وشيء من الوجوه التي التقيتها هناك، وبقي معي أيضاً إحساس لم أستطع التخلص منه، بأن غزة وبغداد، على الرغم من المسافة، كانتا تلتقيان في مكان لا تصل إليه الخرائط؛ في الشعر، وفي الذاكرة، وفي ذلك الفهم العميق لمعنى أن يفقد الإنسان مكاناً أو يخشى عليه، ثم يظل يحمله معه أينما ذهب.
لهذا لم تبدُ لي بغداد بعد الرحلة مدينة زرتها وانتهى الأمر عند حدودها، فقد تركت في داخلي شيئاً سأعود إليه كلما كتبت عن غزة، وربما أخذت غزة إلى بغداد شيئاً من جرحها، وأخذت بغداد إلى غزة شيئاً من ذاكرتها، وفي المسافة بين المدينتين اكتشفت أن بعض المدن تستطيع أن تمنح جرح المدن الأخرى لغة جديدة، وأن القصيدة حين تجد من يصغي إليها تستطيع أن تجعل الذاكرة أوسع من الخراب والركام.
ولعل هذا هو ما بقي لي من بغداد أكثر من أي شيء آخر: أنني ذهبت إليها شاعراً من غزة، وعدت منها وأنا أشعر أن غزة لم تكن وحدها في الطريق، وأن وراء المياه والحدود والخرائط مدناً يمكن أن تتعارف من خلال جراحها، وأن تفتح للقصيدة مكاناً حين تضيق الأمكنة، وأن يتحول ما نحمله في داخلنا من ألم وفقد وحنين إلى شيء آخر، شيء يستطيع أن يبقى حين تتغير الأمكنة وتغيب الوجوه.
وفي بغداد فهمت أن الجرح لا يظل جرحاً إلى الأبد حين يجد من يصغي إليه، فقد تأخذه القصيدة من جهة الألم إلى جهة أخرى، وتمنحه اسماً وصوتاً وذاكرة، وربما لهذا بقيت بغداد في داخلي لا كمدينة زرتها وانتهت الرحلة عند حدودها، وإنما كمدينة أخذت بيدي من جهة الجرح إلى جهة الشعر.
مواضيع ذات صلة
صبرا وشاتيلا.. ذاكرة المجزرة ومرآة غزة
بغداد التي تأخذ الجرح إلى جهة الشعر
"قداس لغزة".. جو ساكو يرسم ذاكرة 29 عائلة فلسطينية
سحر الشاشات.. حين تستعيد المقالة حياتها في كتاب
"حين ينام العالم" لفرانشيسكا ألبانيزي.. عشر حكايات لفهم فلسطين
كرتلات الكتب.. يوميات الحياة والحرب في غزة
ذاكرة القراءة في الثمانينيات