تاريخ عصر الزيتون: صراع الجبابرة الهندسي.. التكنولوجيا الألمانية في مواجهة العبقرية الإيطالية والخارطة الدولية للمعاصر – (الحلقة 6)
زيتونيات - فياض فياض

بعد أن استعرضنا في الحلقة الخامسة دخول قطاع معاصر الزيتون إلى عصر «التوربينات المستمرة» وثورة الطرد المركزي في النصف الثاني من القرن العشرين، نقف اليوم أمام التنافس التكنولوجي الميداني بين عمالقة التصنيع الهندسي، وتحديداً بين الصرامة الميكانيكية الألمانية والمرونة الابتكارية الإيطالية، مع إلقاء نظرة شاملة على خارطة الدول المصنّعة عالمياً.
تاريخياً، لم تكن صناعة المعاصر مجرد تجمّع لقطع الحديد، بل كانت انعكاساً لفلسفة الدولة المصنّعة. ولعل منطقتنا الفلسطينية كانت شاهدةً مبكرةً على دخول هذه التكنولوجيات؛ حيث تمثلت الريادة الألمانية في المتانة والتشغيل الذاتي الطويل، وهو ما تجسّد ميكانيكياً في المعصرة الألمانية الشهيرة التي أدخلها جدي «فياض الخضر» عام 1927 إلى بلدة دير الغصون، والتي كانت تعمل وتولّد كهرباءها ذاتياً، كأعجوبة هندسية ريادية في ذلك الزمان.
1 - الفلسفة الهندسية الألمانية: الصرامة والعمر الافتراضي اللامتناهي
تمتاز التكنولوجيا الألمانية في صناعة الآلات الثقيلة والتوربينات بتركيزها المطلق على «الهندسة الوقائية المفرطة». فالآلات الألمانية تُصنع لتعيش عقوداً طويلة دون كلل. وفي معاصر التوربينات، تركز خطوط الإنتاج الألمانية على دقة المعادن ومقاومة التآكل في أجزاء الطرد المركزي، وتعتمد على أنظمة أتمتة صارمة تقلل التدخل البشري إلى الصفر تقريباً، مما يضمن ثباتاً مطلقاً في درجات الحرارة أثناء العصر لحماية مركبات «البوليفينول» الحساسة.
2 - العبقرية الإيطالية: الجودة والابتكار المستمر
تُعد إيطاليا المطبخ الابتكاري الأول عالمياً لمعاصر الزيتون. فإذا كانت ألمانيا تمتاز بالمتانة، فإن إيطاليا تمتاز بـ«فهم كيمياء الزيتون». والعبقرية الإيطالية، تاريخياً، منذ إدخال مكابس «رافاناس» الهيدروليكية في القرن التاسع عشر وحتى توربينات اليوم، تفوقت في مرونة التصميم وتطوير خطوط عصر تتكيف مع اختلاف أصناف الزيتون ونسب رطوبتها. والإيطاليون هم أول من طوّر تكنولوجيا التعديل اللحظي لسرعة دوران الطارد المركزي وسرعة الخلط، مما يتيح للمُعصِّر التحكم الكامل في تعزيز النكهة العطرية والحد التام من الأكسدة، بناءً على نضج الثمرة.
3 - الخارطة الدولية وجغرافيا التصنيع العالمية
عند النظر إلى خارطة الدول التي تقوم بتصنيع معاصر الزيتون في العالم اليوم، نجد أن جغرافيا التصنيع تتبع تاريخياً جغرافيا انتشار الشجرة المباركة، وتتوزع على عدة أقطاب رئيسية:
أ- إسبانيا: تُعد العملاق التصنيعي الأول هندسياً لتلبية الإنتاج التجاري الضخم؛ حيث تركز مصانعها على خطوط إنتاج ذات طاقات تدفق هائلة جداً تتناسب مع المزارع المكثفة، وتتفوق في تقنيات فصل السوائل.
ب- السويد: وتتمثل قوتها العالمية من خلال شركة «ألفا لافال» (Alfa Laval) العريقة، والتي تُعد مرجعاً دولياً أساسياً في تصنيع أجهزة الطرد المركزي والمبادلات الحرارية عالية الدقة، التي تعتمد عليها كبرى معاصر العالم لتقليل الفاقد ميكانيكياً.
ت- تركيا: طوّرت قطاعاً تصنيعياً قوياً ونشطاً، بخمس شركات، أهمها Polat وHakkı Usta، ويمتاز هذا القطاع بتقديم تكنولوجيا معاصر تجارية متطورة وبأسعار تنافسية تناسب المنشآت المتوسطة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ث- اليونان: تمتلك اليونان مصانع محلية تخدم الحيازات الصغيرة والمتوسطة بإرث تاريخي مميز.
ج- الصين: دخلت الصين مؤخراً خط إنتاج المعاصر المدمجة والصغيرة جداً، بأسعار منخفضة.
ح- أمريكا: تركز ولاية كاليفورنيا الأمريكية على أنظمة عصر فائقة الأتمتة تعتمد على الفرز الرقمي البصري للثمار.
إن فهم هذه الفوارق الهندسية وجغرافيتها العالمية ليس مجرد ترف فكري، بل هو الدليل المرشد لأصحاب المعاصر المعاصرة في فلسطين لرفع نسب استخلاص الزيت، وتقليل الفاقد في الجفت، والوصول بالمنتج المحلي إلى عتبة الجودة العالمية الجديرة بالثبات والمنافسة في أحلك الظروف الاقتصادية والمناخية.
مواضيع ذات صلة