حين تترك الذاكرة آثارها على الرمال.. سعيد مضية سيرة وتاريخ "خطوات غمرتها الرمال"
مهيب البرغوثي

هناك بعض كتب لا يمكن قرائتها كمذكرات شخصية، لأنها تجاوز حدود صاحبها إلى عالم أوسع، حيث يصبح الفرد شاهدا على زمن بأكمله. من هذا النوع يأتي كتاب «خطوات غمرتها الرمال» لسعيد مضية، الذي قدم له الكاتب ورفيق دربة محمود شفير ،حيث جاء الكتاب ليس سيرة ذاتية بقدر ما هي سيرة جيل كامل حمل أحلام التحرر، وعاش الهزائم، ولم يتوقف عن مساءلة نفسه.
أهمية هذا الكتاب لا تكمن في الوقائع التي يسردها، فالوقائع الفلسطينية والعربية أصبحت معروفة إلى حد بعيد، وإنما في الطريقة التي يعيد بها الكاتب بناء تلك الوقائع. فهو لا يكتب من موقع المنتصر، ولا من موقع الضحية، بل من موقع المثقف الذي يدرك أن الذاكرة ليست معصومة من الخطأ، وأن الاعتراف بالتردد والهشاشة أكثر قيمة من ادعاء امتلاك الحقيقة.
يميل سعيد مضية إلى كتابة هادئة، تكاد تخلو من الزخرفة البلاغية. لا يبحث عن الجملة المبهرة، بل عن الجملة الصادقة. وهذه البساطة ليست ضعفا في الأسلوب، وإنما اختيار جمالي يجعل السرد أكثر قدرة على ملامسة القارئ. فاللغة هنا لا تتقدم على التجربة، بل تخدمها، وتمنحها إيقاعا أقرب إلى التأمل منه إلى الحماسة.
غير أن القيمة الأهم في الكتاب تكمن في جرأته على مراجعة المسلمات. فهو لا يكتفي باستعادة تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية أو اليسارية العربية، بل يطرح أسئلة مؤلمة حول إخفاقاتها، وحول العلاقة الملتبسة بين الفكر والممارسة، وبين المثقف والتنظيم السياسي. وهذه المراجعة تأتي من الداخل، لا من موقع الخصومة، ولذلك تبدو أكثر إقناعا وعمقا.
وربما كان عنوان الكتاب، «خطوات غمرتها الرمال»، هو أفضل مفتاح لقراءته. فالخطوات التي غمرتها الرمال ليست خطوات ضائعة، وإنما آثار إنسان حاول أن يترك أثرا في زمن كانت الرياح فيه أقوى من الأقدام. الرمال هنا لا تلغي الذاكرة، بل تؤكد هشاشتها، وتجعل مهمة استعادتها أكثر إلحاحا.
وجاء في وقت تتكاثر فيه الكتب التي تكتفي بتوثيق الأحداث، يذكرنا سعيد مضية بأن السيرة الحقيقية ليست سجلا للذكريات، وإنما فعل نقدي تجاه الذات والعالم. لذلك لا يخرج القارئ من هذا الكتاب محملا بالمعلومات فقط، بل بأسئلة جديدة عن معنى الالتزام، وعن مصير الأحلام الكبرى حين تصطدم بصلابة الواقع.
لعل هذا هو الإنجاز الحقيقي للكتاب؛ أنه لا يطلب من قارئه أن يتعاطف مع الماضي، بل أن يفكر فيه. وهذه، في النهاية، هي المهمة الأسمى للأدب وللكتابة التي تنحاز إلى الحقيقة أكثر مما تنحاز إلى أصحابها.
مواضيع ذات صلة
حين تترك الذاكرة آثارها على الرمال.. سعيد مضية سيرة وتاريخ "خطوات غمرتها الرمال"
معرض فني تركي في متحف درويش
ترميم منزل بدر شاكر السياب في قرية جيكور ينقذه من الإهمال
13 رواية من 7 دول.. جائزة بوكر الدولية تعلن قائمتها الطويلة لعام 2026
بشار الحروب يستعيد أثر الحرب بمعرض "قيامة" في لندن
فيروز.. حين يصبح الصباح أغنية
في ذكرى رحيل غسان كنفاني.. النضج المبكر في العبارة والنبوءة