عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 25 تموز 2026

مرض مزمن اسمه التخوين

باسم برهوم

أغرب ما في قصة التخوين لدى الشعب الفلسطيني ان القوى السياسية كثيرا ما تخون بعضها البعض، وتتبادل ابشع التهم،  ثم نراها تجلس مع بعضها البعض وتحتفل بتحقيق الوحدة الوطنية، وكأن شيئا لم يكن....(أليس هذا غريبا؟). في نظرة سريعة لتاريخنا وحاضرنا،  نكتشف كم هو التخوين مرض فظيع دمر حياتنا السياسية وشوه الوعي الوطني، وغيب الحوار العقلاني، واضعف الحركة الوطنية  وكم يستهلك من جهدنا ووقتنا، وهو تعبير عن فشل وطني في القدرة على الاتفاق على إستراتيجية وخطة وطنية موحدة، وطالما استغلت الصهيونية وإسرائيل هذا المرض الخبيث واستغلته أطراف إقليمية لتعميق الانقسام داخل الشعب الفلسطيني وحرف مجهوده الوطني عن المعركة الأساسية مع الاحتلال الإسرائيلي.
 
كلمة تخوين مشتقة لغويا من "خون" وتعني نقض العهد وغدر الثقة وهي ضد الامانة والصدق، كما تعني التفريط في الحقوق، والتبعية، وفي الغالب يستخدم " التخوين " لنزع الشرعية من الخصوم السياسيين، ويمنع اللجوء إلى الحوار البناء، وفي المحصلة فإن المستفيد من مسألة التخوين في الحالة الفلسطينية، هو العدو الإسرائيلي. واستخدام التخوين كأداة للطعن بالخصم السياسي لا يقتصر على مرحلة بذاتها. بل كان مرضا مستشريا في الحركة الوطنية الفلسطينية قبل نكبة عام 1948، واستمر على مواجات بعد النكبة، خلال تجربة الثورة، ومن ثم بعد مرحلة أوسلو وانقلاب حماس على الشرعية الفلسطينية في قطاع غزة عام 2007 تعمق مرض التخوين  وعمق الإنقسام الأخطر في كافح الشعب الفلسطيني.
 
وفي نظرة على ما قبل عام 1948، وفي الوقت الذي كان من المفترض تكريس كل الجهود الوطنية ضد المشروع الصهيوني، وضد الانتداب البريطاني، اشتعلت الخلافات والانقسامات بين بعض العائلات الفلسطينية، وبينما كانت لغة الحوار تغيب تماما، وتحل مكانها لغة التخوين والتشهير، كنا نلاحظ انه وفي لحظة ما يجلس الجميع في القاعة نفسها ويختارون قيادة تضمهم جميعا ويفرح الشعب ويهلل للوحدة الوطنية، التي كانت سرعان ما تنهار وتعود لغة التخوين، وتتكرر الحكاية مرة تلو أخرى حتى حصلت النكبة. 
نهاية العشرينيات من القرن العشرين، بلغ مرض التخوين ذروته، ثم عدنا لنراهم يتوحدون، ومع منتصف الثلاثينيات كانت الانقسامات قد عادت وعادت معها لغة التخوين، وما ان نشبت ثورة عام 1936 حتى عادوا واتحدوا وكانوا معا في قيادة واحدة (اللجنة العربية العليا)، ولم يمض عام حتى دخلت الحركة الوطنية الفلسطينية بانقسامات أعمق وكانت هذه المرة. مع عودة لغة التخوين جرت عدة اغتيالات سياسية، وتحول الوضع في العام 1938 إلى ما يشبه الحرب الأهلية، في ظل وجود الانتداب البريطاني، وتغول المشروع الصهيوني في فلسطين وتحوله إلى دولة قيد الإعلان.
 
تواصل مرض التخوين مع تجربة الحركة الوطنية بعد النكبة، تجربة الثورة الفلسطينية، ولا يزال غلاف مجلة " الهدف "، الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين،  نموذجا قاسيا لهذا المرض، فقد صدر احد اعداد المجلة في خريف العام 1983 وعلى غلافها صورة ياسر عرفات في دائرة القنص، وكتب على الغلاف بخط كبير " الخائن ". هذه الدعوة للتصفية جاءت بعد محاصرته في مخيم نهر البارد قرب طرابلس شمال لبنان من قبل النظام السوري وفصائل فلسطينية موالية له، وقرر الذهاب إلى مصر، التي كان يقاطعها العرب بسبب معاهدة السلام مع إسرائيل. بعد ذلك بفترة بسيطة شاهد الشعب الفلسطيني الأمين العام للجبهة الشعبية جورج حبش وهو يقف إلى جانب ياسر عرفات ومعهم كافة قادة الفصائل الفلسطينية وهم يعبرون عن عودة الوحدة الوطنية الفلسطينية. 
 
تفاقم المرض مع ظهور حركة حماس في الساحة الفلسطينية عام 1988وخصوصا ان هذه الحركة ليست تنظيما وطنيا فلسطينيا، وإنما هي امتداد لجماعة الإخوان المسلمين، ومنذ ذلك التاريخ كانت تكيل لفتح سيلا من تهم التخوين والتكفير، وفي اليوم الثاني  تجلس مع فتح لتحقيق الوحدة الوطنية. وفي السنوات الثلاث الاخيرة، بعد السابع من أكتوبر 2023، وبعد ما قادت اليه مغامرة حماس من كارثة للشعب الفلسطيني، بقيت حماس بوجهين، الاول وجه التخوين وتوجيه التهم بالتفريط والتكفير، والوجه الآخر تنادي من خلاله بالوحدة الوطنية مع فتح.
 
ظاهرة التخوين أضرت بالكفاح الوطني الفلسطيني ايما ضرر، كما عمقت الانقسامات، وقدمت لإسرائيل خدمة ايما خدمة، وشوهت الوعي الوطني، وادخلت الشعب الفلسطيني بمعارك جانبية لا تنتهي، ومنعت تحقيق الوحدة الوطنية في كافة المراحل. 
مكافحة مرض التخوين تقع على عاتق الشعب الفلسطيني، الذي عليه ألا ينجرف خلف هذه المعارك، التي تستنزفه، وان يتصدى لمن يستخدم هذه الأساليب لتقويض شرعية منافسيه، الرهان على الفصائل لم يعد ممكنا، لأن كافة التجارب تقول انها لن تغير من سلوكها، خصوصا إذا كانت منخرطة بأجندات خارجية. ثمة حاجة ان يقرأ الفلسطيني، المواطن العادي، تاريخه ليدرك كم كلف هذا السلوك القضية الفلسطينية، وكلفت الشعب الفلسطيني؟