في ذكرى رحيل غسان كنفاني.. النضج المبكر في العبارة والنبوءة
سمير اليوسف *

لعل أطرف مديح قيل في غسان كنفاني قول الروائي والمستشرق البريطاني روبرت اروينج "كان كنفاني عاجزا عن كتابة قصة رديئة واحدة".
رحل كنفاني وهو في السادسة والثلاثين من العمر فقط، ومع ذلك لم ينشر نصا واحدا يعاني من النقص أو عدم الإقناع. حتى قصصه المبكرة، وقد نشرها وهو دون العشرين من العمر، تمنحك الإنطباع بأن صاحبها يتمتع بأعوام عديدة من التمرس في حرفة الكتابة. كنفاني كان باكر النضوج وكل ما تركه لنا أعمال محترف كتابة بالدرجة الأساس.
خذ الفقرة الأولى من رواية "رجال في الشمس"، وقد كتبها وهو في منتصف العشرينات من العمر:
"أراح أبو قيس صدره فوق التراب الندي، فبدأت الأرض تخفق من تحته: ضربات قلب متعب تطوف في ذرات الرمل مرتجة ثم تعبر إلى خلاياه .. في كل مرة يرمي بصدره فوق التراب يحس ذلك الوجيب كأنما قلب الأرض ما زال، منذ استلقى هناك أول مرة، يشق طريقا قاسيا إلى النور قادما من أعمق أعماق الجحيم. حين قال ذلك مرة لجاره الذي كان يشاطره الحقل، هناك، في الأرض التي تركها منذ عشر سنوات، أجابه ساخرا :- هذا صوت قلبك أنت تسمعه حين تلصق صدرك بالأرض.
الفكرة تثير الدهشة بشكل تدريجي: الأرض تخفق، في الأرض قلب يضرب، ضربات قلب متعب .. تصعد من التربة الى خلايا الرجل. ثم أن القلب يقوم برحلة طويلة من أعماق الحجيم إلى النور حيث يستلقي أبو قيس.
تعدد الصور: الصدر على التراب، الضربات تطوف في ذرات الرمل، القلب يشق طريقا قاسيا .
المجازات: تقريبا كل عبارة تنطوي على مجاز ما: العبارة الأولى، هي معانقة الأرض، الإرتماء على الأرض حبا تمسكا بالأرض.. وبعد ذلك قلب أبي قيس وقلب الأرض، قلب واحد ينقسم إلى قلبين.. والقلب متعب .. بفعل الطواف في "الرمل" وليس التراب. أبو قيس الرجل المسن، القلب المتعب، المقبل على رحلة في شاقة، بل وقاتلة، في الصحراء وكأنها رحلة من أعماق الجحيم إلى نور الخلاص.
هذه هي فكرة الرواية العامة في سطور قليلة: الرحلة من جحيم الصحراء سعيا الى الوصول إلى جنة بلد ثري. الرحلة التي ما انفك الكثير من أبناء البلدان العربية يغامر في القيام بها.
علاوة على ذلك، ثمة إنسيابية في السرد عفوية لا يمتاز بها إلا صاحب الموهبة الطبيعية العليا، أو لمن أبدى حرصا استثنائيا، ولأعوام، على إتقان اللغة بحيث يبدو التعبير تلقائيا بشكل مراوغ. تبدو العبارة سهلة واضحة ولكنك حينما تدقق فيها تدرك بأن الكاتب ينذرنا بمأساة وشيكة الوقوع:
" كأنما قلب الأرض ما زال، منذ استلقى هناك أول مرة، يشق طريقا قاسيا إلى النور قادما من أعمق أعماق الجحيم".
هذه العبارة وحدها تمهد الطريق الى نهاية يموت فيها أبوقيس، ورفيقاه، عطشا في صهريج ماء فارغ في الصحراء بين الكويت والعراق.
الخاتمة: ذلك السؤال الذي سيهتف به أبو الخيزران، السائق المهرب، السؤال نفسه سيتردد على مدى قرابة ستة عقود منذ ظهور الرواية وحتى اليوم
"لماذا لم تطرقوا جدران الخزان؟"
--------
*شاعر وصحفي فلسطيني يعيش في لندن
مواضيع ذات صلة
فيروز.. حين يصبح الصباح أغنية
في ذكرى رحيل غسان كنفاني.. النضج المبكر في العبارة والنبوءة
إرث مريم.. العائلة والملكية في بلاد الشام العثمانية لبشارة
"الحياة الاجتماعية في مدينة الخليل خلال الانتداب البريطاني"
ساعي البريد
اختراع العزلة لبول اوستر.. حين تصبح السيرة الذاتية مرأة للكتابة والتأمل
شجرة ديوان قصر هشام.. تتدلى منها 15 برتقالة تلمع وتتلألأ