عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 11 تموز 2026

فسيفساء قصر هشام في البادية الفلسطينية

محمود الزيباوي

تتكون من 38 خانة مترابطة بـ7 أنماط تصميمية

تحوي البادية الفلسطينية صروحا أموية عدة، أهمها صرح يعود إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، كشفت عنه بعثة بريطانية في خربة تعرف باسم "خربة المفجر"، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، نواحي شمال مدينة أريحا. أطلق على هذا الصرح اسم "الخربة" التي خرج منها، ثم اشتهر باسم "قصر هشام"، وأهم معالمه سجادة فسيفسائية ضخمة تزين أرض حمامه الكبير، توصف بـ"أكبر فسيفساء في العالم". تمتد على مساحة 835 مترا مربعا، وتتألف من مجموعة خانات فسيفسائية مترابطة، تشكل كلها، بعضها مع بعض، أرضية جامعة.

حافظت هذه الفسيفساء على مكوناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التوثيقية التي التقطت عند اكتشافها في الثلاثينات.

كيف نجت هذه السجادة من الخراب؟ وكيف خرجت مكوناتها من بين الردم بشكلها الأصلي؟

في الواقع، أظهرت الدراسات العلمية المتأنية أن الموقع شيد في عهد هشام بن عبد الملك، واستمرت حركة البناء فيه بعد رحيل الخليفة، إلى أن تعرضت المنطقة لزلزال كبير خلال عام 746، فتهاوى القصر إثر هذا الزلزال، إلا أن الأتربة والأنقاض المتراكمة حفظت أرضياته الفسيفسائية، وشكلت لها ستارا واقيا.

في عام 1959، نشرت جامعة أكسفورد دراسة شاملة تناولت هذا الموقع الأثري الأموي، وحملت عنوان: "خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء".

في هذا الكتاب المرجعي، قدم العالم البريطاني روبرت هاملتون دراسة تحليلية شاملة تناولت أرضيات القصر الفسيفسائية، وحوت رسوما توثيقية خاصة بهذه السجادات شكلت أساسا لدراسة هذا الأثر الفريد.

عرف "قصر هشام" في الميادين الخاصة بعلم الآثار، واقتصرت شهرته على هذه الميادين. في عام 1994، عاد اسم هذا القصر إلى الواجهة الإعلامية بعد نقل صلاحيات إدارته إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، وسارعت دائرة الآثار الفلسطينية الوليدة إلى العمل على تأهيله وإحيائه بالتعاون مع "اليونيسكو"، و"معهد الآثار الفرنسيسكاني"، وأجرت مسحا طوبوغرافيا جديدا للموقع، وأنشأت معهدا لترميم الفسيفساء بدعم من الحكومة الإيطالية في عام 1999.

بعدها، نظفت دائرة الآثار هذه الفسيفساء ونقتها وثبتتها خلال عام 2010، ثم قيمت حالة حفظها وصيانتها. في تلك الحقبة، قام الباحث الفلسطيني حمدان طه بحملة لتصوير هذا الأثر الكبير بالتعاون مع فريق محلي ضم 4 علماء من فلسطين، وفي عام 2015، نشر مجلدا خاصا بهذه الفسيفساء، حوى عرضا توثيقيا شاملا لمكوناتها.

كشفت وزارة السياحة الفلسطينية عن فسيفساء قصر هشام لفترة وجيزة عام 2010، ثم أعادت طمرها بغية الحفاظ عليها، وأعادت الكشف عنها استثنائيا في عام 2016، بحيث أصبحت متاحة للسياح والزوار لمدة شهر واحد فقط.

بعدها، عقدت الوزارة اتفاقا مع "الوكالة اليابانية للتعاون الدولي" لترميم الموقع وتحديثه وتجهيزه، وأثمر هذا الاتفاق عن إعادة الكشف عن الفسيفساء في خريف 2021، بعد تأمين كل السبل لحمايتها، وبلغت تكلفة هذا المشروع 12 مليون دولار. أقيم فوق هذه الأرضية سقف واق، جاء على شكل قبة معدنية تغطي أرضية الفسيفساء، وشيد هذا السقف فوق 4 قواعد رئيسية مثبتة في الزوايا. وجرى تأمين ممرات داخلية للدخول إلى الموقع، مع مسارات علوية للزوار والسياح، استنادا إلى المعايير الدولية المتبعة في تنظيم مسألة الحفاظ على الآثار. هكذا تحول قصر هشام إلى موقع سياحي مفتوح، بعدما كان على مدى عقود من الزمن موقعا أثريا يعرفه أهل الاختصاص فحسب.

تتكون هذه الفسيفساء الضخمة من 38 خانة مترابطة، ووفقا للدراسة التي أنجزها روبرت هاملتون، تتبنى هذه الخانات 7 أنماط تصميمية، شكلت أساسا لتأليف فسيفساء الحمام الملكي. تتوسط هذه الفسيفساء الضخمة سجادة دائرية بديعة تحت القبة المركزية، وتتكون من مجموعة أقواس متداخلة تشع من الوسط في اتجاه الخارج. يحوي تأليف الفسيفساء الجامع 4 سجادات دائرية أصغر حجما، تقع كل منها بين 4 أعمدة. تشكل هذه السجادات الدائرية الـ4إطارا مربعا يحيط بالسجادة الكبيرة التي تحتل مركز الوسط، وتحوي كل منها شبكة من التصاميم الدائرية تبدو كأنها خيوط منسوجة. كذلك يحوي هذا التأليف الجامع سجادتين مستطيلتين، تقع إحداهما عند مدخل القاعة الشرقية، والأخرى في الجانب الجنوبي. ثمة سجادات مستطيلة أخرى تزينها زخارف مجدولة.

من جهة أخرى، يحوي هذا التأليف 3 سجادات طويلة تشكل إطارا له، وتحد هذا الإطار سلسلة من الحنيات تماثل المحاريب، زينت كل منها بتأليف خاص، ومنها ما زين بزخارف نباتية مجردة، ومنها ما زين بزخارف تحاكي ما تسمى بـ"أشكال قوس قزح". تجاور إحدى هذه الحنيات الباب الشرقي للقاعة، وتتفرد بصورة ثنائية في وسط عتبتها تمثل سكينا وفاكهة على شكل عنقود من العنب.

وصف روبرت هاملتون خصائص كل لوحة من ألواح هذه الأرضية، وقارنها بالأمثلة التي سبقتها زمنيا في الشرق الأوسط، وأظهرت هذه المقارنة متانة تأليف فسيفساء "قصر هشام"، ودقة أسلوبها الهندسي الذي تميزت به بشكل خاص. لا يشكل هذا الأسلوب التجريدي الهندسي خصوصية أموية، إذ نقع على كنائس محلية من العهد البيزنطي تعتمد هذا الأسلوب، منها على سبيل المثل كنيسة تعرف بـ"الكنيسة الشمالية"، في موقع "اليصيلة" الأثري شمال الأردن، على بعد نحو 9 كيلومترات إلى الشرق من مدينة إربد. تعود هذه الكنيسة إلى القرن الخامس الميلادي، وتزينها أرضية فسيفسائية تخلو من أي عناصر تصويرية آدمية وحيوانية، وتعتمد التقاسيم الهندسية البحتة. تتبنى فسيفساء قصر هشام هذا الطراز، وتتميز بضخامتها وبتأليفها المسبوك.

توقف روبرت هاملتون أمام الصورة الثنائية التي تحضر استثنائيا في إحدى حنيات الباب الشرقي للقاعة، وتتمثل بسكين وفاكهة على شكل عنقود من العنب، فرأى هذا العالم البريطاني أن هذه الصورة الثنائية ترمز إلى ثنائية الذكر والأنثى، وتشير إلى الولادة، وهي تختزل رمزيا اسم الخليفة الوليد. في المقابل، دحض غازي بيشة هذه القراءة التأويلية في كتابه "القصور الأموية في الأردن" الصادر سنة 1974، وأشار إلى حضور هذه الصورة الثنائية في كثير من الأرضيات الكنسية الأردنية، ورأى أنها تشكل في العالم البيزنطي رمزا للخصوبة والعطاء والازدهار.

----------

عن "الشرق الأوسط"