عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 20 حزيران 2026

حسين مردان.. بودلير العراق وشاعره الرجيم

نمر سعدي

شاعر مشاكس، حالم.. استفزازي وعنيد، تقرأه فيأخذك إلى تيه لغوي جميل ،عاصر السياب والبياتي والجواهري وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر واختلف عنهم جميعا، كتب القصيدة العمودية بروح وثابة متجددة وجريئة، تحركها الأشواق ويدفعها الغموض والحب واللهفة، تميز بنثره المركز الذي يأخذك إلى سماوات القلق الوجودي والجوع العاطفي والحزن والكآبة، إلى عوالم رمبو وبودلير ولوتريامون ونرفال ومن شابههم من السرياليين وكبار الحالمين.

عرفت مقاهي بغداد الثقافية الشاعر حسين مردان (1927–1972) بلقب "بودلير العراق" أو "بودلير العرب". ويعود هذا الربط بينه وبين الشاعر الفرنسي الرائد شارل بودلير (صاحب ديوان "أزهار الشر") إلى تشابه كبير في أسلوب حياتهما، ومضامين شعرهما، وثورتهما على التقاليد الأدبية والاجتماعية الجامدة.

عاش مردان حياة بوهيمية حد التصعلك، كانت حياته تائهة ومشردة في شوارع بغداد ومقاهيها الثقافية وأوساطها الأدبية، متبنيا روح التشرد والتمرد التام على الأعراف. وهو ما يطابق "بودليرية" التسكع والرفض التي عاشها الشاعر الفرنسي في باريس القرن التاسع عشر.

أصدر حسين مردان ديوانه الشهير "قصائد عارية" عام 1949، والذي أحدث ضجة كبرى لجرأته وصراحته الصادمة. وقدم على إثرها إلى المحاكمة بتهمة "خدش الحياء العام" وسجن. هذا الموقف يحاكي تماما ما حدث مع بودلير الذي حوكم في فرنسا ومنعت بعض قصائد ديوانه "أزهار الشر" لنفس الأسباب الأخلاقية.

ويلتقي الشاعران في دائرة الاحتفاء بالجسد والشبق إذ يركز شعر مردان على الجسد والشهوة الحسية العنيفة والنزوع نحو العبث، متمردا على النظرة العذرية للمرأة. وصور عوالم الليل والغواية بشكل يشبه سوداوية بودلير واحتفائه بالجانب المظلم من النفس البشرية.

وكلاهما حمل راية الريادة والتجديد في قصيدة النثر، فمثلما كان بودلير من أوائل من كتبوا قصيدة النثر في العالم عبر "سوداوية باريس"، اخترع حسين مردان في العراق قصيدة مختلفة أو نصا نثريا مغايرا ومختلفا وخارجا عن النمط السائد سماه "النثر المركز". ويعتبره العديد من النقاد العراقيين رائدا حقيقيا لقصيدة النثر في العالم العربي، فقصيدته تختلف بكيميائها وروحها عن قصيدة محمد الماغوط حتى قبل التبشير بها في مجلة "شعر" اللبنانية.

 ارتبطت مسيرة مردان الأدبية والحياتية بمفاهيم الحزن، التمرد، والقلق والصعلكة، حتى وصف في القراءات النقدية بـ "سيد الحزن" ولقب بـ "ملك الصعاليك"، حيث عاش حياة قاسية ومضطربة تنقل فيها بين الفقر والبطالة والتشرد.

تجلى وجهه الممسوح بغيوم الكآبة والوجوم عبر قصائده الحزينة ونصوصه المسربلة بالقلق الوجودي والضياه والتيه في مجازات اللغة ومدارات المجهول، وتميزت نصوصه بمسحة واضحة من الألم والوحدة والعزلة، ومن أشهر قصائده التي تجسد ذلك قصيدة "وتدور مقلته الحزينة".

ديوان "قصائد عارية": أصدره عام 1949 وتسبب في ضجة أدبية كبرى ومحاكمة شهيرة له بسبب جرأته ومواضيعه التي اعتبرت بمقياس تلك الفترة وكأنها خادشة للحياء العام.

أدخل مردان الفلسفة الوجودية إلى الشعر العربي الحديث إذ تأثر مردان بالفكر الوجودي (خاصة جان بول سارتر) وعكسه في نصوصه من خلال الاحتفاء بالحرية الفردية المطلقة، ومواجهة عبثية الوجود.

واجه مردان الكثير من الصعوبات المادية في حياته مما دفعه لممارسة أعمال اعتيادية لكسب الرزق. فاشتغل في مجال البناء، والصحافة، والسياسة. ونظرا لطموحه الواسع في مجال السياسة وواقع الحكومة الملكية العراقية، ترك مردان الدراسة وانشغل بهموم بلده.

تخصص فيما بعد في مجال الأدب على المستوى المهني، ونشرت الكثير من قصائده في مجلة شعر اللبنانية. امتازت قصائده بعفوية التعبير ولغتها البسيطة، وجد في نثره المركز وسيلة للتنقل من شكل تعبيري إلى آخر، وبلوغ تفاصيل صغيرة دون التقييد بإيقاع البيت. ونتيجة تأثر مردان بالشاعر اللبناني، إلياس أبي شبكة، أصبحت نصوصه النثرية مفعمة بالعصبية الملتهبة، وكتبت بإيقاع متوتر ذات رغبة متفجرة. بالإضافة إلى أنه كتب مقالات ابداعية اجتذبت النقاد من العالم الثقافي العراقي، ومع الوقت بلغ مستوى رفيع في كتابة المقالات، خاصة في مجال الصحافة.

وفي نهاية عام 1968، عمل مردان كمحرر في مجلة ألف باء الأسبوعية العراقية وخصصت له صفحة أسبوعية لكتابة مقالة أو قصيدة من النثر المركز أو الشعر الحر. وكتب مقالات أخرى يدافع فيها عن نظرة المجتمع للمرأة كجارية وعاشقة، والمحاربة لإثبات مكانتها كمرأة مناضلة، وعاملة، وكادحة. وفي الفترة التي كانت تعاني فيها العراق من الركود الأدبي، وهي نفس الفترة التي سبقت وفاة الشاعر بثلاثة أعوام، نشر مردان مقالة في المجلة تحت عنوان "الجدل لا الكظم".

وحاول كثيرا التركيز على أن ملامح الشعر يجب أن تنبع من الأرض والمجتمع الحقيقي الذي يعيش فيه الشاعر قبل الانفتاح على الآداب العالمية.

أبرز مؤلفاته: "الأزهار تورق داخل الصاعقة"، "من يفرك الصدأ؟"، "عزيزتي فلانة"، "الربيع والجوع"، "أغصان الحديد"، "الأرجوحة هادئة الحبال"، "مقالات في النقد الأدبي".