عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 حزيران 2026

داخل المنصات الاجتماعية.. الجدل يبيع أكثر من الحقيقة

مريم شومان

في كل موجة جدل تشتغل داخل المنصات الاجتماعية يعتقد كثيرون أن المعركة تدور حول الحقيقة، بينما الواقع يقول إن الحقيقة لم تعد العنصر الأكثر أهمية في التسويق عبر المنصات، ما يحكم المشهد اليوم ليس دقة الفكرة ولا قوتها العلمية بل قدرتها على إثارة الانفعال واسنفزاز الجمهور وإبقاء الناس لأطول وقت ممكن داخل دوامة التفاعل.

ومن هنا يمكن فهم كيف تحوّل "نظام الطيبات" إلى ظاهرة رقمية تتجاوز حدود النقاش التقليدي وتفرض نفسها يوميا على مساحات واسعة من الجدل رغم الانقسام الحاد حوله بين مؤيد يرى فيه اكتشافا استثنائيا، ومعارض يعتبره تموذجا آخر لفوضى المحتوى المعاصر.

اللافت أن قوة حضور هذه الظواهر لا ترتبط دائما بصلابة الفكرة نفسها بقدر ما ترتبط أحيانا بقدرة أصحابها على فهم قواعد اللعبة الرقمية الجديدة، فالمنصات لا تعمل بوصفها ساحات محايدة للحوار بل كأنظمة خوارزمية مصممة لالتقاط الانتباه وتعظيمه وتحويله إلى تفاعل مستمر، ولهذا لا تكافئ المحتوى الأكثر اتزانا أو عمقا وإنما المحتوى القادر على إنتاج الانقسام وإشعال النقاشات الحادة.

لهذا لم يعد مستهجنا أن تتحول بعض القضايا إلى كرة ثلج يكبر حجمها مع كل محاولة للهجوم عليها، فالمؤيدون يدافعون بحماسة، والمعارضون يهاجمون بانفعال وبين الطرفين تحقق المنصة أعلى معدلات التفاعل الممكنة، وفي النهاية يصبح الجميع جزءا من عملية التسويق نفسها حتى أولئك الذين يعتقدون أنهم يقاومونها، وهذه إحدى المفارقات الأكثر وضوحا في الإعلام الجديد؛ أن الفكرة قد تنتصر بسبب خصومها بقدر ما تنتصر بسبب أنصارها.

المشهد لا يتوقف عند حدود الجدل فقط بل يمتد إلى الطريقة التي يُصنع بها التأثير النفسي داخل المنصات، فالجمهور اليوم لا يستهلك المعلومات وحدهاوإنمما يستهلك الشخصيات أيضا، في كثير من الأحيان لا تكون قوة المحتوى نابعة من الفكرة بقدر ما تنبع من صورة الشخص الذي يقدمها؛ نبرة واثقة وحضور بصري مدروس ولغة حاسمة وقدرة عالية على تقديم الذات بوصفها استثناء مختلفا عن السائد، وعندما يُضاف إلى ذلك خطاب أخلاقي أو ديني يمنح الفكرة بعدا قيميا وروحيا تصبح قدرة الجمهور على النقد أكثر هشاشة لأن المتلقي لا يشعر حينها أنه أمام محتوى قابل للنقاش بل أمام خطاب يلامس قناعاته العميقة وهويته النفسية.

هذا النوع من الخطاب ينجح غالبا في خلق حالة من الحصانة المعنوية؛ حيث يتحول صاحب المحتوى من مجرد مسوّق لفكرة إلى شخصية تحظى بهالة رمزية تجعل التشكيك فيها أقرب - في نظر البعض- إلى التشكيك بالقيم ذاتها، وهنا تتراجع الأسئلة المنطقية أمام التأثير العاطفي، ويتقدم الإحساس بالانتماء على حساب التفكير النقدي الهادئ.

وربما لهذا السبب تحديدا أصبحت المنصات بيئة مثالية لازدهار ما يمكن تسميته بالتسويق عبر الغضب،  فالخوارزميات اكتشفت مبكرا أن المشاعر الحادة أكثر قدرة على إبقاء المستخدمين متفاعلين، الغضب يدفع الناس إلى التعليق والصدمة تدفعهم إلى المشاركة والاستفزاز يجعلهم يعودون باستمرار إلى النقاش ذاته، ومن هنا لم يعد الاستقطاب نتيجة جانبية للمحتوىبل أصبح هدفا مقصودا بحد ذاته.

لذلك، كلما ارتفعت حدة الانقسام ارتفعت فرص الانتشار، وكلما زادت المعارك الكلامية زادت القيمة الرقمية للمحتوى، وبهذا لم تعد بعض الحسابات تبحث عن إقناع الجميع بقدر ما تبحث عن تقسيم الجميع إلى معسكرات متقابلة، لأن المنصة تكافئ هذا النوع من الاشتباك أكثر مما تكافئ أي نقاش متزن أو هادئ.

في النهاية، قد يكون السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت هذه الأفكار صحيحة أم خاطئة، بل كيف أصبحت المنصات قادرة على تحويل أي فكرة مثيرة للجدل إلى ظاهرة جماهيرية تتجاوز حجمها الحقيقي.

نحن لا نعيش فقط عصر المعلومة بل عصر هندسة الانتباه وإدارة الانفعال الجماعي، حيث تنتصر القدرة على صناعة الضجيج أحيانا على القدرة على صناعة المعنى، وفي عالم تحكمه الخوارزميات يبدو أن الجدل بات يملك فرصا أكبر للانتشار من الحقيقة نفسها.