كتبت.. عنها!
تغريدة الصباح- حسن حميد

أجل، لقد كتبت عنها أخيراً!
أعني القدس/ المكان، والمدينة التي لم أرها، ولم أمش في شوارعها، ولم أرفع بصري لأرى شرفاتها النديات برائحة القهوة صبح مساء، والعامرات بالوجوه الوردية التي تطل على الخلق بسامة رائية، بل لم أرفع بصري لأرى سماءها لأن كل ما أخصبته فوق أرضها داهش وساحر وشارق بالنورانية، ولم أدلف من بواباتها الخشبية الوسيعة العالية ذات الشقرة الآسرة، ولم أمر بأقواسها الحجرية التي رصعتها أصابع الحذق بالتيجان النباتية! ولم أجالس أحداً من نجاريها الذين يصنعون الصلبان الخشبية فلا يتركونها من أيديهم إلا وقد صارت بادية مضيئة مثل النجوم، ولم أشتر كعكة من كعك أفرانها في غبشة الصبح لأنادي سيد الأكوان: إلهي.. إلهي! ولم أواقف زاوية من زواياها مع حلم واحد من أحلامي، ولم أجلس في مقهى من مقاهيها العتيقة حيث المقاعد خشب، والطاولات خشب، وفناجين القهوة خشب، وإبريق القهوة، والملعقة، والصينية، خشب! لأن في داخل الخشب روح تنادي: بلادي، بلادي!
ولم تثبت قامتي أمام الدوالي التي تحرس بوابات البيوت بالنداءات الخافتة، والعيون اليواقظ، ولم أركب في عربات الخشب ذات القرقعة المهيبة، والسجاجيد والزلالي جليلة الالوان والنقش المتدلية من جوانبها، والتي تدور حول المسجد الأقصى، وكنيسة القيامة، وقبة الصخرة، دورة الدراويش الباحثين عن لبابات الغنى، ولم آخذ بيدي الراعشة شمعة طويلة ملونة كيما تصفو روحي من عوالق الحنين، ومرارة الانتظار، وأنا أدلف من بوابة كنيسة القيامة المهيبة الراهجة مثل أقراص العسل، ولم أطو تحت ذراعي قنينة الزيت الصافي مثل عين الديك، لكي أعبر بخطوي الهامس سجاجيد وحصر الأقصى وقبة الصخرة لأرى النور المحلق في رحابة المكان مثل الطيور، ولم أجالس الخلق الذين يجالسون الكتب والقراءات في الزوايا وقرب الأعمدة، ولم أبك قرب أم باكية، ترفع يديها إلى السماء شاكرة لأنها قدمت من قريتها كي توفي نذرها، فجاءت بصاجها، وطحينها، وكارة الخبز، والزيت، والزعتر، ونباتات السبانخ، والحميضة، والهندباء، وجبنة القريش، حافية لأن بئر البيت، عاد الماء إليها مرة ثانية، لتملأ الجرار، وتسقي نباتات الحاكورة وشتولها، ولم تأخذني الغيبوبة وأنا وسط هذا النور الإلهي الذي يلف البشر المحتشدين في بهو كنيسة القيامة! ولم ترتجف شفتاي مع الشفاه الراجفة المتمتمة، ولم تصعد روحي مع الأرواح الصاعدة.. المنادية: يارب، يارب! لأنني لم أر القدس!
لقد طويت من عمري سنوات طوالاً، وأنا أحلم بالكتابة عن القدس، المكان الأبدى في بلادي، والأطهر، والأجمل، والأكثر رحابة ومناداة على من أدمت حوادث الحياة أيديهم وأقدامهم، وهم ينازلون غايات الدنيا مغالبة، وأحلامها بالرجاءات الطوال.
وكم حاولتها مكاناً، وتاريخاً، وازمنة، وحكايات.. فما أبدت لي سراً من أسرارها، وكم ناديتها ورجوتها.. كيما أدنو منها عبر ما قرأته عنها، وما سمعته، فما دنت، وما شغلت بي! وقد صارحتها في عزلتي مراراً أن صدري ينشق فرحاً كلما رأيت الناس وهم يمرون بدورها وعقباتها وساحاتها وادراجها، ذاهبين آيبين، طي ذهول عميم! ولكم ساهرتها لكي ترمي لي، ولو من فوق أسوارها، حبلاً يقودني من أهدابي إليها!
ومرت السنوات تترى، وهي جمرة لاهبة في وجداني، وعقلي، وروحي!
نعم أعترف، أن كتاباتي كلها، وأشواقي العزيزة للورق والمحابر كلها، وقراءاتي في التاريخ، والاجتماع، والعمران، والأساطير البعيدة كلها، وجولاني في عقول البشر، ومدائن الفن.. كلها، لم تكن سوى عتبة أولى لكي أصعد واحداً من أدراج الكتابة.. لأقرب منها!
كل ما كتبته قبل كتابتي عن القدس لم يجعلني أسترد انحناءاتي الطويلة على أحذية غرباء دمشق حين كنت أصبغ أحذيتهم، ولم يطو انتظاراتي الطوال لعودة أبي الفدائي الذي جاء إلينا ذات فجر في الخشب الصقيل، ولا بكاء قلبي وأنا أواقف واجهات المحال الزجاجية في أسواق دمشق القديمة التي تبدي الثياب النداهة، ولا شيء في اليد أو الجيب، ولا عذابات الخيام التي كانت ترتمي فوقنا في الشتاء، ونحن نيام، وتطير بعيداً عنا في الصيف مع الرياح الهوج، لتتركنا أنا وإخوتي وأخواتي (صف عسكر) مكشوفين تحت البطانيات الخشنة.
بلى، كتبت أسطري عن القدس، طوال سنوات، بعد احتشادي الشديد بالخوف والرهبة وأنا أماشي كل شيء فيها، كتبتها، وأنا أحس بأن عمر الكتابة، وعمر الحياة، وعمر الانتظار، وعمر الحلم،.. هي أعمار لم تذهب سدى، وأن كل ما انحنيت لأجله، وهو كثير ومديد وأليم.. كان من أجل أن أخط بوضوح شديد دربي الناحل إليها!
الآن،
يضج قلبي بأشواقه ويهيج بأنواره، مثل حقل عباد شمس يفتح ذراعيه على وسعهما لمعانقة الشمس صباحاً، بعدما غدت أسطري طرقات حيية خافتة راجفة على بوابة خشبية عالية وسيعة، لونها لون الأقاحي، حلمت بمواقفتها طويلاً، إنها بوابة القدس! وما إن توهمت بسماع نداء خفوت، يسألني من وراء الباب همهمة: من أنت؟ حتى قلت بجذل: هذا أنا يا أماه.. افتحي!
Hasanhamid5656@gmail.com