عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 حزيران 2026

جيش محمل بـTNT

باسم برهوم

كل صباح ونحن نأمل ان نستيقظ على خبر يحسن من مزاجنا، ويرفع منسوب الأمل فينا بان نعيش حياة طبيعية ننعم بها ليوم واحد، اي شيء يخرجنا من روتين الخبر اليومي، الذي يأيتنا بالنص هكذا "جيش الاحتلال الإسرائيلي قام بعمليات نسف في خان يونس وشرق مدينة غزة "، "عمليات نسف في بيت حانون "، عمليات نسف في إبل السقي وبنت جبيل "، وإذا عاد بك الزمن إلى أحد صباحات تموز/ يوليو 1948 لسمعت الخبر  "العصابات الصهيونية تنسف منازل قرية سعسع وقرية الشجرة"، السؤال الصعب، كيف يمكن ان نعيش عمرا كاملا مع اخبار كهذه؟

كيف تتكرر المأساة مرة تلو الأخرى؟ هل نحن وحدنا من يسمع هذه الأخبار ونعيشها يوما بعد يوم؟

جيش يتنقل من مكان لآخر وهو محمل بأطنان من مادة التفجير TNT)) ما الذي يعنيه ذلك؟ ولماذا؟

كل جيش العالم بالضرورة أن تكون من بين وحداتها واحدة متخصصة بالنسف، ولكن كيف تستخدم هذه الوحدة ولماذا؟

في الجيوش يمكن ان تقوم هذه الوحدة بنسف جسر يمكن ان يتقدم منه العدو، او نسف موقع عسكري يصعب احتلاله، او ان احتلاله سيكلف الجيش سقوط الكثير من الجنود، او نسف مخازن تمول جيش العدو، بمعنى ان النسف له هدف عسكري تكتيكي محدد بهدف إما إعاقة تقدم الجيوش او يغطي انسحابها. هذا الاستخدام الكثيف لأهداف مدنية، نسف قرى بأكملها، نسف مقدرات شعب الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي..ما الذي يعنيه؟  منذ ان كان  هذا الجيش اسمه " الهاغاناه " قبل 76 عاما وهو ينسف وينسف، ما الغرض منه؟  هذا الجيش  الكثيف وقبل ان يعلن بن غوريون قيام دولة إسرائيل في 15 ايار/ مايو 1948 كان ينسف. ولا يزال مستمرا بكثافة اكبر حتى كتابة هذا المقال، هو مستمر في قطاع غزة، الذي لم يبق فيه إلا القليل من الجدران والنوافذ، ومستمر في الضفة والقدس الشرقية، ومستمر في قرى جنوب لبنان.

لشخص بعمري، صحيح أنني لم أعش تجربة النكبة مباشرة، ولكن سمعت ممن عاشوها لحظة بلحظة، ولاحقا قرأت عنها الكثير، هذا النسف له عنوان واحد " التطهير العرقي "، هذا الكم من النسف اليومي لا يمكن الا ان يكون له هدف واحد، هو تشريد السكان الأصليين ومنع عودتهم، والاستيلاء على ارضهم.

كيف يمكن لأي شخص شهد حرب قطاع غزة منذ 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ويشهد اليوم ما يجري في جنوب لبنان، كيف له ان يصدق الرواية الإسرائيلية التي استمرت لعقود، ان الشعب الفلسطيني هرب، ترك مدنه وقراه بإرادته وان الجيش الإسرائيلي لم يطلب منه ذلك؟

الجيل الذي عاش ويعيش السنوات الثلاث الماضيةسواء كان فلسطينيا او عربيا وفي كل بقاع الارض، كيف يمكن أن تستمر إسرائيل بتسويق روايتها له وتنكر التطهير العرقي والإبادة الجماعية؟

بالتأكيد ان وحدة النسف في الجيوش الأخرى تكون من بضع عشرات من الجنود. لأن لها أهدافا محددة ومحصورة باهداف عسكرية تكتيكية. اما الجيش الإسرائيلي، فيمكننا ان نتخيل ان مثل هذه الوحدة تتألف من مئات بل آلاف الجنود، لان هذا الجيش المحمل بعشرات الاطنان من الـTNT هو جيش تطهير عرقي، جيش جرائم حرب منذ أن تأسس. بامكاننا تخيل حجم وحدة النسف بهذا الجيش كم كان عددها، عندما تم نسف وتدمير 537 قرية فلسطينية، وعشرات الأحياء في المدن خلال حرب العام 1948، ويمكن تخيل حجمها مما قامت به من نسف وتفجير في قطاع غزة، مربعات سكنية، عشرات آلاف المنازل والبنى التحتية، وأخيرا يمكن تخيل حجمها في جنوب لبنان عندما نستيقظ يوميا على مشاهد لنسف قرية بأكملها.

أسأل نفسي، بعد أن بلغت من العمر عتيا، هل يمكن ان أصحو يوما دون خبر نسف، او خبر حرب؟ بصراحة لا أمل لدي. ما دام هذا الجيش المحمل في الـTNT موجودا ويتنقل من مكان لآخر، أو أقله أن يغير نزعة التطهير العرقي والجرائم فيه.. متى يمكن أن يحصل ذلك؟