.. هم مدونة العشق!
تغريدة الصباح-حسن حميد

يا إلهي،
ما أفدح الأثمان التي دفعنا، ونحن نواجه هذه الكيانية الإسرائيلية البغيضة التي استولت على كل العمران الفلسطيني الذي تباهي به بريطانيا اليوم في متاحفها، مثله مثل ما سرقته من المناطق التي احتلتها، وأنشأت لها وزارة المستعمرات البريطانية، وتدعي زوراً وبهتاناً، بأن هذا العمران كان بسبب (سياسات الانتداب )، وهم، أعني الانكليز، لم يبنوا في البلاد الفلسطينية سوى المعسكرات للتدريب على القتل الفوري، والسجون الشناءة لوأد حياة المقاومين الفلسطينيين! نعم، يرى الداخل إلى المتاحف البريطانية صوراً مدهشة للعمران والحضارة والتقدم والحداثة في عموم المدن والبلدات الفلسطينية، من أريحا في الشرق، إلى حيفا في الغرب، ومن صفد في الشمال إلى أم الرشراش في الجنوب، ولكن العجيب هو أنهم، أعني الإنكليز، يتباهون بما أنجزته العقول الفلسطينية، والأيدي الفلسطينية الحاذقة من عمران نادد العمران في الكثير من بلدان العالم، وكأنه كان بسببهم! والحق الصراح، هو أن هذا العمران، هو فعل الفلسطينيين، وصوره جلية في السير الذاتية التي كتبها الأدباء والكتاب ورجال الدين والفنانون الأجانب الذين زاروا البلاد الفلسطينية، قبل الانتداب البريطاني، وخلاله، وما بعده أيضاً.
بلى، هي أثمان فادحة في رواسبها وآثارها وندوبها الظاهرة اليوم، دفعناها منذ قرن من الزمان وأزيد، بسبب هذه الكيانية الإسرائيلية البغيضة التي ابتلينا بها منذ وعد بلفور عام 1917، ولأنها كثيرة، وسوداء، ودموية في توحشها وظلموتها، سأقف هنا، عند جانب واحد منها، وهو الجانب المتعلق بالأسرى الفلسطينيين الذين فتحت لهم السجون الإسرائيلية، كمستعمرات عقاب، توسعة، وإنشاء، وسنت، لأجل قتلهم وهم أحياء، الكثير من القوانين، وآخرها ما أقرتها الكنيست الإسرائيلية القاضي بإعدام الأسرى الذين حكموا بالسجن المؤبد، وهو قانون لا علاقة له بالشرائع والحقوق والأخلاق والقيم الإنسانية.
صور السجن الإسرائيلي كثيرة، لكن أبداها صورتان، هما صورة السجان الإسرائيلي الذي يتصف بكل صفات التوحش الحيواني كي يعيش الأسير الفلسطيني حياة صفتها الأبرز والظاهرة، هي حياة الإماتة، أي العيش ميتاً، أي العيش خلواً من صحة البدن، والتفكير، والحلم بمغادرة السجن، أو تحقيق أبسط الرغبات، ومنها زيارات الاهل له التي كانت دورية، والصورة الثانية هي صورة الأسير الفلسطيني الذي انار المكان/ السجن، بأفعاله التي تمجد الحياة ومعانيها السامية، من الصمود إلى فرض موجودية حقوقه الجسدية والفكرية والرؤيوية، ثم حقه في العيش بكرامة، إلى حقه في القناعة المطلقة، بأن السجن ليس نهاية الحياة والحلم، بل هو وجه من وجوههما، رغم الأذيات الباطشة القاتلة.
في الصورة الأولى؛ صورة السجان الإسرائيلي، تتبدى الوحشية بكل شناعتها ووحشيتها، والهادفة إلى جعل السجن الإسرائيلي شكلاً من أشكال الموت، وحالاً من حالاته، أو لنقل جعل السجن (هاديساً) بلغة الإغريق، أي جعله عالماً سفلياً يوازي في صفاته ومواته عالم المقابر، لقد (تفنن) السجان الإسرائيلي باختراع الأساليب والطرق غير القانونية، وغير الإنسانية، وغير الأخلاقية من أجل إماتة نفس السجين الفلسطيني، وتدمير صحته، ووقف حياته وأحلامه معا، ودفعه دفعاً نحو أمراض جسدية مزمنة، لا شفاء منها، وهي أمراض تورثها الحياة الكريهة داخل السجن الإسرائيلي، ودفعاً أيضاً نحو أمراض نفسية، تقول للسجين الفلسطيني، صباح مساء، إنه هنا، في السجن، يذوي، ويترمّد، ويموت بينما الآخرون، أهله، وأصدقاؤه، وقادته، يتنعمون بنعيم الحياة، وهذا محض هراء، لأن أهل الأسير، وأصدقاءه وقادته.. يعانون مثلما يعاني، ويناضلون مثله، من أجل فك أسره، ويعرفون يقيناً أن من جعل، ويجعل، الأسير الفلسطيني يذوي ويترمد ويعاني من الأمراض النفسية والجسدية هو السجان الإسرائيلي الذي هوى بحياة الأسرى وحطمها كي تدور حول أبسط الحقوق من قلة الطعام، وقلة النوم، إلى قلة الدفء، وقلة النظافة، وقلة الحرية، وقلة التعبير، إلى اختفاء الزيارات، والكتب، والأوراق، والتواصل بين الأسرى، والمراسلات، وحضور ممثلي الصليب الأحمر الدولي، وتمثيل الأسرى ومتطلباتهم، عبر الحقوقيين، وهم في عنابرهم وزنازينهم، والحق أن صورة السجان الإسرائيلي، هي صورة الغول ببعديها الواقعي والمجازي الذي لا يكف عن اقتراف الجرائم، لأن طبيعته قائمة على ارتكاب أفعال الجريمة صورة ومادة، وفعلاً وتأويلاً، والعجيب الغريب المستهجن هو أن لا أحد يحاسب الكيانية الإسرائيلية على ما تفعله داخل سجونها التي غدت معابر وممرات نحو المقابر، ولو بلوم بسيط.
والصورة الثانية هي صورة السجين الفلسطيني الواضحة والجلية أيضاً، رغم تكتم السجان الإسرائيلي ومنعها من الظهور، فهي الصورة التي تمثل البقاء من جهة، واحتضان الحلم من جهة أخرى، أي صورة العناد الوطني الفلسطيني في أشكاله وطيوفه المتعددة، وهي صورة ابن الأرض الذي يعرف التراب والحجر والماء والشجر، وتواريخ سنوات الظلم والنائبات، فالعناد الوطني والوعي ثنائية لا افتكاك بينهما أبداً، فالفلسطيني الأسير الذي دخل سجون إسرائيل التي ورثوها عن العثمانيين والانكليز، والتي بنوها طوال سنوات العسف منذ عام 1948 وإلى يومنا الراهن، دخلها لأنه قال، وفعل، وتصرف، ونادى، وكتب، وباح، وأسرّ بأنه ضد الاحتلال الإسرائيلي، وقد كانت حاله قبل أسره واعتقاله على صور حياتية متعددة بتعدد وجوه الحياة، لقد اعتقلوه، وأسروه فلاحاً، وعاملاً، وطالباً، وفدائياً، وموظفاً، ومشتغلاً في أسواق ومقالع الحجارة، والطواحين، والمعاصر، وتزفيت الطرق، وداخل المدارس، والمشافي، ودور العبادة، وفي الشوارع، والبيوت..ذكرا، وأنثى، وعجوزا، وطفلا، وقد ظن الإسرائيلي، بل اعتقد، ان الأسير ميت لا ريب، لكن، مع تقادم السنين، والتجارب، طار الظن، وطار الاعتقاد، لأن السجين الفلسطيني، وفي داخل السجن، مضى إلى تجديد حياته واستكمال مراحلها، بعد أن فرغ من عذاب الجروح وصراخها، وما يتركه الرصاص الإسرائيلي من أذيات طالت الجسد والروح معاً، مضى ليتعلم اللغات، ويحوز الشهادات، ويقرأ، ويطور ثقافته، ويعلو بوعيه ويرتقي، وأن ينادي سراً وعلناً: موطني.. موطني؛ وهذا ما جعل السجان الإسرائيلي في حال غوغائية من الأفعال الشيطانية، والجنون، وفقد الأعصاب، ولهذا أيضاً، سن القوانين المطالبة بإعدام الأسرى الفلسطينيين، لأن الفلسطينيين قالوا بأن الأسرى هم أهل البلاد، وهم صورتنا النضالية، وهم روحنا السرية المنادية، بلادي.. بلادي، وهم أيضاً أيقونات الفعل الفلسطيني الأتم البادي نوراً داخل عنابر السجون الإسرائيلية وزنازينها.
بلى، أسرانا هم صورة وجهنا وعقلنا وحلمنا ودربنا، وهم الكلام المضيء الذي يشق عتمة السجان الإسرائيلي، وهم الضفة المدهشة الموازية لضفة الأحياء، وهم الكتاب الذي نقرأ فيه مدونة عشق الوطن، وإلا كيف يستمر الأسير الفلسطيني على هذا الحضور المدهش طوال سجن دام ويدوم أربعين سنة وأزيد، وقلبه يدق لبلاد معشوقة ناحلة ممشوقة مثل أعواد الخيزران اسمها.. فلسطين!
Hasanhamid5656@gmail.com
مواضيع ذات صلة
قواعد نجاح مجالس الهيئات المحلية
الزراعة في فلسطين: واقع صعب وحلول عملية مستدامة
.. هم مدونة العشق!
فلسطين تدار عن بُعد
حين تصبح الخوارزميات جزءًا من الواقع السياسي
رواد الحرية يوقظون الهمم
تطور الحراك الديمقراطي في انتخابات الهيئات المحلية لعام 2026.. مقاربة عبر نسب المشاركة وقوائم التزكية
بذور العدائية المطلقة (الإخوانية)