عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 11 نيسان 2026

ذاكرة مذبحة دير ياسين الفلسطينية

باسم برهوم

 

في مطلع نيسان/ ابريل عام 1948 أعطى بن غوريون أوامره للهاغاناة، التشكيل العسكري الصهيوني الرسمي، للبدء في تطبيق خطتين عسكريتين تداخلتا عند التنفيذ، الأولى: خطة "نخشون"، التي كان الهدف منها احتلال كل القرى العربية الموجودة على التلال في طريق القدس يافا، وإنهاء الحصار العربي الذي كان مفروضا على اليهود في القدس. اما الخطة الثانية: وهي خطة "دالت" لاحتلال المدن الفلسطينية الكبرى، واحتلال القرى وتنظيفها من سكانها الفلسطينيين، في اطار مخطط التطهير العرقي من اجل إقامة دولة يهودية بأغلبية يهودية واضحة.

مع بدء تنفيذ خطة "دالت" كانت العصابات الصهيونية بحاجة إلى إحداث صدمة رعب وخوف في اوساط المجتمع العربي الفلسطيني. فالحرب النفسية كانت جزءا مهما من المخطط الصهيوني للتطهير العرقي. وفي ضوء ذلك قامت عصابة الارغون، بممذبحة قرية دير ياسين، التي تقع غرب القدس، في التاسع من نيسان/ ابريل 1948. أجمع المؤرخون على مختلف مشاربهم على انه لم يكن هناك أي مبرر عسكري للقيام باقتحام القرية، فلم تكن فيها اي مظاهر عسكرية، او انها قامت بأي هجمات على المستوطنات القريبة، لذلك كان ارتكاب المذبحة بقرار مبيت، والهدف منه كما قال المؤرخون الاسرائيليون الجدد هو بث الرعب في اوساط المجتمع الفلسطيني. تأثير مذبحة دير ياسين كان له وقع أكبر لأنها تزامنت مع استشهاد القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني في قرية القسطل التي تقع في الجغرافيا نفسها، حيث كان يعم المجتمع الفلسطيني الحزن، وكانت الروح المعنوية في أدنى مستوياتها.

وبالفعل استخدمت العصابات الصهيونية مذبحة دير ياسين، وأدارت حربا نفسية لا تقل خطرا عن القوة العسكرية، وعلى الفور بدأت الهاغاناة تنفيذ خطة التطهير العرقي، فجرى احتلال المدن الفلسطينية الواحدة بعد الأخرى، طبريا في 19 نيسان/ ابريل وتشريد سكانها العرب، ومن ثم احتلال حيفا في 22 نيسان /ابريل، واستولى الصهاينة على يافا في 28 من الشهر نفسه،  ومدينة صفد في 11 أيار/ مايو، اما عكا فقد جرى احتلالها في 19 أيار/ مايو،  كل ذلك تم بالتزامن مع إحتلال الأحياء الغربية من القدس ومئات القرى. 

 

قامت العصابات الصهيونية بتشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين مستخدمة الارهاب والبطش وارتكاب المجازر بالتوازي مع الحرب النفسية. وبشكل منهجي كانت العصابات الصهيونية تدمر القرى الفلسطينية بأمر مباشر من بن غوريون، بهدف منع عودة الفلسطينيين إلى قراهم.

اختيار دير ياسين لم يكن مجرد صدفة، انما عن إدراك ان المجتمع الفلسطيني في أغلبه هو مجتمع ريفي، اكثر من 70 بالمئة من الفلسطينيين هم قرويون. وبالتالي تهجيرهم سيعني تهجير اغلبية السكان.

وقبل ان تكون الجيوش العربية قد دخلت إلى فلسطين في 15 ايار / مايو 1948 كانت معظم المدن الفلسطينية الكبرى قد تم احتلالها وشرد سكانها الاصليين العرب، ولم يبق من المدن الكبرى سوى القدس القديمة، ونابلس،  والخليل. كما ان الجيوش العربية وعند دخولها لفلسطين، بقيت ترابط في المناطق التي كانت مخصصة للدولة العربية كما نص عليها قرار التقسيم للعام 1947.

وبغض النظر عما اردت المنظمة الصهيونية من اهداف نفسية وعملية من جراء ارتكابها لمذبحة دير ياسين، فإن هذه المذبحة اصبحت عنوانا لجريمة التطهير العرقي التي قامت بها العصابات الصهيونية، واصبحت مدخلا للباحثين والمؤرخين للنبش عن جرائم الحرب التي ارتكبتها الهاغاناة والعصابات الصهيونية في تلك الحرب، وهي جرائم نفذت بأمر من المستوى السياسي، وبالتحديد من بن غوريون نفسه الذي اشرف شخصيا على إعداد خطة " دالت " للتطهير العرقي. كما تحولت مذبحة دير ياسين إلى ركن من أركان الذاكرة الفلسطينية الجماعية، وهي الذاكرة التي قادت فيما بعد إلى  إعادة تشكل النضال الوطني الفلسطيني والإصرار على مواصلة هذا النضال حتى يستعيد الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة.

ان ما جرى في فلسطين في تلك الحرب كان يحدث للمرة الاولى في التاريخ، ان تقوم اقلية اجنبية غريبة جاءت إلى البلاد من أوروبا وقامت بطرد وتشريد الاغلبية العربية، اصحاب الارض الأصليين.

والحقيقة الاكثر انكشافا هي ان دولة إسرائيل بحد ذاتها قد قامت على أنقاض شعب اخر، وانها اختارت منذ اللحظة الأولى ان تكون دولة عنصرية عندما مارست التطهير العرقي، واصرت ان تكون دولة يهودية نقية.

النسخة الراهنة الاكثر بشاعة ووحشية لمذبحة دير ياسين هي  حرب الإبادة الجماعية  التي قام بها جيش الإحتلال  الإسرائيلي في قطاع غزة، إلا انه ورغم هول ما جرى من جرائم حرب في  قطاع غزة فإن الشعب الفلسطيني اصر على البقاء والصمود على ارض وطنه، ما يؤكد ان الشعب قد استفاد من دروس وعبر النكبة.

وفي الذكرى الـ 78 لمذبحة دير ياسين، من الضرورة الاشارة إلى حقيقة اخرى اكثر اهمية، وهي ان مخطط طمس الشعب الفلسطيني وطمس حقوقه قد فشل،  وان ذاكرة دير ياسين الفلسطينية تتم ترجمتها بالصمود على ارض وطنه التاريخي.