عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 نيسان 2026

القانون الدولي.. سلاح بيد الأقوياء وحدهم

باسم برهوم

البدايات الاولى لما يعرف اليوم بالقانون الدولي يعود إلى آلاف السنين عندما حاولت الإمبراطوريات القديمة تنظم العلاقات فيما بينها، مثل حضارة ما بين النهرين، اي الحضارة العراقية القديمة، وحضارة وادي النيل، اي الحضارة المصرية، الحضارة الإغريقية. ولاحقا الرومانية، وهذا يعني انه منذ القدم فإن الدول والإمبراطوريات القوية هي من تصيغ نظام علاقاتها فيما بينها وتفرضه بطريقتها على الآخرين وبما يخدم مصالحها او طموحاتها.

القانون الدولي كمصطلح متداول بمفهومه الراهن ظهر في نهاية القرن الثامن عشر على يد الفقيه البريطاني جيرمي بنتام، ليحل محل المصطلح القديم "قانون الأمم" (Law of Nations)، وبعد الحرب العالمية الأولى اصبح القانون الدولي ملزما للدول. وكما كان عليه الامر في الإمبراطوريات القديمة، فإن الدول القوية المهيمنة هي من تضع القانون الدولي بهدف ضبط العلاقات فيما بينها هي أكثر من كونه قانونا يلجأ اليه الضعفاء لحماية حقوقهم، وعندما يحين لأي من هذه الدول القوية تغيير ميزان القوى لصالحها تنحي جانبا القانون الدولي وتقوم بفرض معادلة دولية جديدة دون ان تقيم اي وزن للقانون الدولي.

بعد الحرب العالمية الأولى، رأت الدول المنتصرة. بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية، ان تصيغ قانونا دوليا ينظم العلاقات فيما بينها بهدف منع نشوب حرب أخرى بينها، ومن هنا وضعت هذا القانون، وأسست عصبة الأمم كمؤسسة دولية تراقب تطبيق هذا القانون. إلا ان هذه الدول صاغت القانون ليلائم مصالحها واهدافها الاستعمارية، فابتكرت فكرة الانتداب، بهدف توزيع مناطق النفوذ فيما بينها دون الحاجة للجوء للقوة، وهي الفكرة الذي وضعت الشعوب العربية، ومن ضمنها الشعب الفلسطيني، تحت النفوذ الاستعماري البريطاني والفرنسي والإيطالي. فكرة الانتداب، التي نصت عليها المادة (22) من ميثاق عصبة الأمم الغت عمليا مفعول مبدأ حق تقرير المصير للشعوب وهو احد اهم المبادئ التي نص عليها القانون الدولي في تلك الحقبة.

المانيا التي خرجت مهزومة في الحرب العالمية الأولى، وفرض عليها الاستسلام، ما ان اعادت بناء نفسها واصبحت قوية بما يكفي حتى وضعت القانون الدولي جانبا واجتاحت الدول الأوروبية الواحدة بعد الاخرى، كما وسعت نفوذها في شمال إفريقيا حيث دارت هناك واحدة من اهم معارك الحرب العالمية الثانية "معركة العلمين" التي هزمت فيها المانيا ومن بعدها بدأ التقهقر الالماني.

بعد الحرب العالمية الثانية وضع المنتصرون، الولايات المتحدة الأميركية، الاتحاد السوفييتي، بريطانيا وفرنسا، صيغة متطورة للقانون الدولي وأسسوا هيئة الأمم المتحدة، ثم اضافوا إلى الصيغة القانون الإنساني عام 1949، من اهم مبادئ القانون الدولي، عدم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، واحترام سيادة الدول، وحق تقرير المصير للشعوب مهما كانت درجة تطورها.

اما القانون الانساني، والذي ليس من مهامه منع الحروب، وانما هدفه منع الآثار السلبية للنزاعات المسلحة او التخفيف منها قدر الإمكان، وهدفه حماية المدنيين، وتوفير الحماية لأسرى الحروب، وحماية الأطقم الطبية والدفاع المدني، وتوفير الحماية لضحايا الحروب، ومحاكمة مجرمي الحرب ومحاسبتهم على جرائمهم.

في كل الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، كانت الدول الكبرى هي من ينتهك القانون الذي صاغته، او انها اغمضت عيونها وصمت آذانها عن الجرائم التي كان يرتكبها وكلاؤها من الدول الأصغر، كما هو حال إسرائيل، التي بقيت تتصرف وكأنها دولة فوق القانون، ولم يجر محاسبتها عن أي انتهاك ارتكبته، وهي انتهاكات فظيعة، وآخرها حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، التي تطوي الدول الكبرى صفحتها دون ان تتعرض إسرائيل لأي مساءلة او انها تحاسب عن جرائم الحرب التي ارتكبها جيشها وقيادتها السياسية.

وبالرغم من الصيغ الرائعة فإن الدول الكبرى القوية واصلت النهج ذاته للأمبراطوريات القديمة، عندما تحن الفرصة تنقض وتنهش من حقوق الآخرين، ومتى تملك القوة الحاسمة تضرب دون أي اعتبار للقانون الدولي.

في النص الثاني من القرن العشرين حاولت الأمم المتحدة اظهار حرصها على القانون الدولي، ولكن ما دام الخمسة الكبار يملكون حق الفيتو في مجلس الأمن، المؤسسة التنفيذية الأهم في الأمم المتحدة، فإن القانون الدولي سيبقى معلقا، وان الدول الكبرى تلجأ اليه فقط لضبط العلاقات فيما بينها، وبهذا المعنى القانون في خدمتها عندما تحتاجه، ولا تلجأ اليه، بل وتنتهكه بشكل سافر اذا كان لا يلبي طموحاتها المجنونة في الغالب.

تمثل إسرائيل النموذج الأكثر قسوة لانتهاء القانون الدولي، اكثر من ألف قرار اصدرتها الأمم المتحدة لم تلتزم إسرائيل بأي منها، طالما قال المجتمع الدولي ان احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والعربية غير شرعي، وأن الاستيطان بدوره غير شرعي، والامر ذاته لضم القدس، ولسياسة العقاب الجماعي وأخيرا للإبادة الجماعية في غزة، كل هذه الانتهاكات لم تحاسب عليها إسرائيل بالرغم انها الدولة الوحيدة التي قامت بموجب قرار من الأمم المتحدة، قرار التقسيم رقم 181 للعام 1947. فهم هذه المسألة، او المعادلة المعقدة يصبح بسيطا عندما ندرك ان المشروع الصهيوني من أساسه كان استعماريا ودعمته الدول الاستعمارية.. مشروع يستولي على ارض شعب آخر، الشعب صاحب الأرض.