لا بد للعتمة.. من فجر!
تغريدة الصباح - حسن حميد

أكاد لا أصدق هذه المراوحة في المشهد الثقافي العربي، وهذا التقصير في التواصل والتعريف بالحال الثقافية في كل بلد عربي، وهذا الرضا غير المستحب، بما تنتجه وتعيشه كل ساحة ثقافية عربية بمفردها، أي هذا الرضا بانغلاق المشهد الثقافي على نفسه، هنا أو هناك، فلا تواصل ولا تفاعل ولا تعارف يرضي.. لأن جهات التعريف ووسائلها تعطلت، وأصيبت بالشلل الجزئي منذ عقود لأسباب كثيرة جهيرة بات يعرفها القاصي والداني في آن، فالمجلات والصحف العربية باتت محلية، بعد أن كانت قومية تصل إلى أماكن بعيدة، فتترك صداها وتأثيرها، هنا وهناك، وتقدم الحال الثقافية في البلاد التي تصدر عنها وحسب، تعرف بالأسماء المبدعة القديمة والجديدة معا، وتعطي فكرة عن تواصل الأجيال فيما بينها، وفكرة عن التراسل ما بين الآداب والفنون، وما يلحق بها من نقد؛ وقد تعطلت هذه الفعالية، وانعدام التواصل، فتقلص الحضور الثقافي والأدبي ما بين أدباء ومثقفي هذا البلد، وذاك البلد، فلم نعد نحظى بفاعلية تعاون اتحادات الكتاب العربية فيما بينها، أو تعاون وزارات الثقافة العربية في تنمية الحال الثقافية العربية المشتركة في معظم البلاد العربية، وقد كانت تنادي وتدعو إلى المزيد من الأنشطة الثقافية، وتبادل الخبرات، والزيارات، والمطبوعات، والوفود، والتعريف بالأجيال الأدبية والفكرية الجديدة، والكتب الصادرة حديثاً، والترجمات الجديدة عن لغات لم تسبق الترجمة عنها، وغدت هموم الكتاب العرب وأحلامهم وقفاً على الحضور في المشهد الثقافي المحلي وحسب، لأن النشر في الصحف والمجلات أو دور النشر العربية الأخرى بات بلا جدوى، لأن إنتاج هذه الصحف والمجلات ودور النشر يعاني من عجر فظيع في التوزيع، على الرغم من مواسم معارض الكتب العربية التي ما زالت تحاول تقديم صورة للمشهد الثقافي العربي في كليته، لكن الصورة الواقعية لهذه المعارض تقول، وبوضوح شديد، إن المثقف أو الكاتب في هذا البلد العربي أو ذاك، لا يقبل على شراء كتاب لأديب عربي لم يسمع به، ولم يعرف عنه شيئاً، بسبب انقطاع أخباره، وعدم الترويج لأدبه وفنه، إن مسألة الاقتناء هنا هي مجازفة أو مغامرة في ظل حالة اقتصادية صعبة.
وكي لا أبدي الصورة مشوشة، وهي قاتمة، ولا تسر حقا، أقول إن البادي اليوم هو أن كل بلد عربي، اكتفى بالتعريف ببعض كتابه، وأغلبهم بات اليوم في سنوات الشيخوخة الإبداعية، أما الأجيال الأدبية الطالعة، فحظها من الشهرة ما زال مجهولاً، ولكنه يقول لها بأن عليها أن تصبر سنوات وسنوات كي تحظى بالمعروفية والانتشار، وأقول أيضاً، إن الجوائز الأدبية التي اتسعت رقعتها أمدت المشاهد الثقافية العربية بهواء جديد، لأنها راحت تؤشر إلى أن آداباً رائعة تنمو وتتقدم في غير بلد عربي، وهي تشكل مفاجأة ما في كل سنة، وهذا أمر على غاية من الأهمية، وهو لافت للانتباه، ليس لنا فقط، بل هو لافت الانتباه لكل من يهتمون بالترجمة من اللغة العربية إلى اللغات العالمية الأخرى، لكن هذه الجوائز السنوية تعاني من مشكلات عدة لعل في طالعها، ما يقال ويثار حول الشكوك في مصداقيتها، ناتجة عن أخطاء بشرية، وعائديتها هي الهوى، والأمزجة؛ ولبيان الصورة أوضح، أسأل، من يعرف الحال الثقافية اليوم في عاصمة العرب الثقافية، القاهرة، معرفة وازنة بعيدة عن الهوى والأمزجة، أظن أن الإجابة الصادقة موجودة في القاهرة نفسها، وليست هي معروفة على حقيقتها في أي مكان آخر، لأن العودة إلى مشهد الحال الثقافية في عشرين سنة سابقة، تؤكد أن من كان معروفاً بإبداعه وفكره ونشاطه آنذاك، ما زال هو المعروف إلى يومنا هذا، أما من جاء من أدباء وكتاب طالعين خلال عقدين من الزمن، فأمرهم ما زال طي المجهول. وكذلك اسأل، من يعرف الحال الثقافية في عواصم الثقافة العربية في بغداد، و بيروت، ودمشق اليوم؟ الإجابة ستكون غير مرضية للأسف!
ثم، أين هو الحلم الثقافي العربي الذي عشناه أيام راحت الكويت خاصة، ودول الخليج عامة، تصدر أهم المجلات، وسلاسل الكتب المتنوعة في الفكر، والثقافة، والترجمة، والآداب، وقد كانت تصل إلى معظم المشاهد الثقافية العربية، فتتخاطفها الأيدي لأن قيمتها المادية في متناول الجميع، لقد غابت مجلات كثيرة، وتعطل إصدار سلاسل أدبية وفكرية كثيرة أيضاً، وهذا ما قلل من زخم المشاهد الثقافية العربية وعافيتها، لأن التغذية الثقافية الراجعة، والحاضرة، وذات النظرة المستقبلية رميت بحجر ثقيل.
الآن، تحضر بعض الأسماء الأدبية والفكرية من خلال كتبها أو مخطوطاتها حين تفوز بجائزة ما، فيدهش المرء بأن أعمار أصحابها متقدمة، بعضها في الستين والسبعين من سنوات العمر، ولم يحظ أي منهم بذكر يليق بابداعه، ترى أين كان أصحاب هذه الكتب؟ ترى، أكان لا بد من الجوائز حتى ننتبه إليهم؟وكيف مرت الأيام، ولم نعرف تجاربهم أو نقف على بعضها؟ ومن هوالمسؤول عن (ثقافة الحجابة) فمنعتلك التجارب الأدبية والفكرية من الظهور لتنال حقها في المعروفية.
أعرف أن هذه الغصات لا يمكن أن يمحوها فرد بمفرده، أو جهة بمفردها، لأن الحمل ثقيل، والتبعات والمخاطر والأسئلة الشيطانيةفي ازدياد، ولكن لا بد من محو هذه الغصات، لأن الثقافة والآداب والفنون هي من أهم الحالات الموحدة والباعثة على الافتخار بأن الحياة جديرة بالعيش في ظل القيم النبيلة، وأن أدوار الثقافة والآداب والفنون ذات مفعول سحري، فهي توحد المجتمع وتزيد في لحمته لأن غايات الثقافة والآداب والفنون مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالمعادلة الذهبية القائمة على: الحق والخير والجمال.
أجل، إن معظم المشاهد الثقافية العربية اليوم، تعاني من عزلة لا تسر الخاطر، رغم كثرة وسائل التواصل الاجتماعية التي تقول: أنا، وأنا، لأن هذا القول مفقوع في عقله، فـ (الأنا) الواحدة ما عادت فاعلة، ولا مؤثرة لأنه من الممكن عزلها وتحييده! والبعد المعرفي، أيا كان قدره، ومهما كانت رتبته، سيظل، من دون المجلة، والناقد، والقارئ، والانتشار، والتقريظ..، يدور في عتمة، ولابد لهذه العتمة.. من فجر!
Hasanhamid5656@gmail.com